الوقائع الأخيرة في سوريا، وتقدّم جيش النظام يجعل بعض اللبنانيين متفائلين بقرب انتهاء الأزمة السورية. ذلك أنّ قوى «8 آذار» متفائلة، لأنّها تعتقد أنّ «قدرة» النظام السوري التي لا يمكن تخيّل حدودها ستسحق المعارضة المسلّحة وغير المسلحة سحقاً.
لسان حال هذه القوى الناشئة بُعيد اغتيال الرئيس رفيق الحريري يقول: بضعة أسابيع على الأكثر ونعود إلى ما كنا عليه قبل اندلاع الأزمة.
وفي الأثناء فإنّ قوى «14 آذار» من جهتها تعتقد أنّ العالم بشَرقِه وغربِه لن يقبل ولا يستطيع أن يقبل استمرار القتل على هذه الوتيرة، وسيهرع إلى مساعدة الشعب السوري في مواجهة نظامه، ولن يطول زمن القتل في سوريا إلى ما لا نهاية، علماً أنّ التجربة أثبتت عكس ذلك.
الأرجح أنّ كِلا المعسكرين ينطق عن هوى أكثر ممّا ينطق عن تحليل وتمحيص. والهوى في هذه الحال مرغوب ومطلوب. خصوصاً حين يكون هوى يستثقل القتل اليومي الذي لا رادع له، ويشعر بأنّ هذه الجرائم التي تحصل في سوريا محالة الاحتمال، ويجدر وقفها الآن وليس غداً أو بعد غد.
طبعاً في هذ الحال، ليس ثمّة مساواة عادلة بين طرفي المعادلة اللبنانية. ذلك أنّ قوى «8 آذار» تتمنى بقاء النظام الممانع والمقاوم.
واستسهال هذه الحال بارتفاع وتيرتها ينجم في الأساس عن رغبة حاسمة في تقصير أمد الأزمة ما أمكن، وانتهائها سريعاً ببقاء النظام الحليف.
ولا غروَ أنّ هذا الموقف هو استنساخ للموقف الروسي نفسه، الذي يحسب أنّ الأحزان لا تصنع خطاباً سياسياً، ويذهب في علاقته مع الأزمة السورية إلى افتراض أنّ الموت، أكان كثيراً أو قليلاً، لا يسعه أن يقرّر شكل النظام المقبل في سوريا على أيّ وجه من الوجوه.
ثمّة تسوية ستحصل، وهي تسوية تستند أوّلاً وآخراً إلى أوزان القوى السياسية المتصارعة. والوزن، روسيّاً، يُقاس أوّلاً وآخراً، بمقدرة القوى السياسية على الانتصار ضدّ خصومها، ومدى مقدرتها على الدفاع عن نفسها مستخدمةً كل الوسائل المتاحة. في هذه الحال ثمة منتصر ومهزوم.
إذاً، ما الذي تدعو روسيا وإيران وقوى «8 آذار» السوريّين إليه؟ وأيّ بلادٍ ستُبنى على أنقاض هذا الكَمّ من القتل؟ إنتظرَت ألمانيا عقوداً حتى تصالحت مع تاريخها، وانتظرَ الفرنسيون عقوداً أيضاً حتى تصالحوا مع تاريخ الاحتلال الألماني لبلادهم. هل ثمّة من يقترح على السوريين حرباً مع تاريخهم تمتدّ عقوداً طويلة، بكلّ ما فيها من دم وعذابات؟