بالرغم من الصورة الديمقراطية التي ميّزت جلسة إنتخاب رئيس للجمهورية، والتي افتقدناها منذ أربعة عقود ونيف، فقد تميزت أيضاً بإظهار الإفلاس المدقع عند فريق أمعن منذ زمن في نهش الدولة ومؤسساتها، بتصويته بأوراق بيضاء ثم تعطيل النصاب، كمن يريد أن يقول أن الفراغ هو المنشود، وربما، الرئاسة بأكملها غير مرغوب في وجودها.
قسم كبير يراهن على تغيير نمط تفكير وتصرف هذا الفريق، وفي كل مرّة يُخذلون ويخسرون الرهان.
في المختصر، هؤلاء آخر همهم الدولة بجميع مؤسساتها، فقوتهم من ضعفها وضعفهم من قوتها، لذلك نراهم دائماً يسعون الى إضعافها يوماً بعد يوم وإستحقاقاً بعد إستحقاق خدمةً لدويلتهم ومشاريعهم.
هم شركاء أساسيون لهم ويتشاركون نفس المسؤولية في تقويض المؤسسات الشرعية، لا بل في بعض الأحيان، يتحملون المسؤولية الأكبر.
أما عن مهزلة استحضار أسماء الشهداء واستعمالهم لمواجهة الخصوم ونبش الماضي، وهذا ما يبرعون فيه، فنقول لهم بالفم الملآن وللمرة الألف علّكم تفهمون، لا نخجل أبداً بماضينا وبكل ما فعلنا ومن ضمنها ألأخطاء التي حدثت واعتذرنا عنها، فمن لا يُخطئ هو مَن لا يقوم بفعل أي شيء.
أما الأسماء التي استحضرت في صندوق الإقتراع، فمنهم مَن قُتل على متن طوافة عسكرية، ومنهم مَن تصالح مع القاتل الفعلي واستقبله في مكان الجريمة بمجرد اصطفافه في نفس “الخط”، ومنهم مَن استشهد في مناطق خارجة كلياً عن سيطرة القوات ومن قام بتلك المجزرة معروفون بالأسماء ومن الجميع، ومنهم مَن كان ضحية معامل حبوب مخدرات، فإذا كانوا ضنينين عليهم، فليُشيروا بالإصبع الى القاتل الحقيقي وليكفوا عن المُتاجرة بدمائهم. مع العلم، أن نتيجة الحرب اللبنانية لامست الـ150000 شهيد من بينهم رؤساء ومسؤولين ورجال دين، وأيضاً مُعظمهم معروف الجهة التي تقف وراء إغتيالهم، وتلك الجهات أصبحت نواباً شاركوا في جلسة الإنتخاب!!! والله اللي استحوا ماتوا.
مهزلة أخلاقية أخرى أتحفنا بها أحد المدافعين الشرسين عن المسيحيين، فكان جوابه على سؤال أحد الصحافيين عن رأيه في إستحضار أسماء الشهداء، بأن “الناس كتير عندا ذاكرة ومتأثرة بهذا الوضع عبرت عن مشاعرها وتفكيرها”.
فيا أيها الفيلسوف صاحب الكف النظيف الذي لم يسرق ولا فلس من أموال الدولة والشعب، وصاحب الأيادي البيضاء التي لم تتلوث بدماء الآلاف من اللبنانيين، وصاحب الضمير النقي الذي لا يبيع ولا يشتري، وصاحب مبدأ لا يزيح عنه مهما اشتد الترهيب وعَظُم الترغيب، وصاحب القلب الشجاع الذي لا يعرف الهروب والفرار… لو كانت نظريتك هذه صحيحة، لكان على هذا الشعب اللبناني افتراش مدارج المطار ومنعك من تدنيس تراب هذا الوطن الذي أمعنت في تهشيمه وتخريبه، وما زلت. لكن ويا للأسف، فمن حسن حظك أن النسيان هو سمة الإنسان.