كان اللبنانيون يختلفون على ما يمكن أن يُطلق على الجيش السوري في لبنان ما قبل استشهاد الرئيس رفيق الحريري، بعضهم كان يقول إنّه جيش احتلال ولا يجرؤ على رفع الصوت، وآخرون سمّوه الوجود السوري في لبنان مبرّرين الأمر بأنّه ضرورة للتوازن في ظلّ الاحتلال الإسرائيلي.
سنوات من اللغط والكلام من تحت الطاولة ووشوشات سياسية هنا وهناك، بعد أن انسحب الجيش الإسرائيلي من لبنان في العام 2000 والأسئلة التي طرحها على اللبنانيين وأوّلها موقف الرئيس السوري بشار الأسد الذي لم يهنّئ اللبنانيين بتحرير أرضهم، رغم ادّعائه دعم مقاومته وصمود نظام البعث في وجه الامبريالية الصهيونية.
كثير من اللبنانيين حتى ممّن كانوا يؤيدون الوجود السوري تعجّبوا وبدأت تظهر علامات الضيق من مسألة «الوجود» السوري، لا سيما عند فريق «إسلامي» و»يساري»، وبدل أن تتهيّأ أجواء الوطن كله للاحتفال بالتحرير، بدت الصدمة على وجه بشار وجماعته في لبنان، رغم الأهازيج و»همروجات» الانتصار والتي تحوّلت لاحقاً إلى إلحاق «المقاومة الإسلامية» وانفضاح شهيتها على السلطة ودخول معترك العمل السياسي، من باب الوزارة والنيابة وتقاسم الحصص رغم ادّعاء «العفّة» طوال سنوات الهيمنة على المناطق المحتلة في الجنوب وغيرها، وبعد أن جرى «تنظيفها« من المقاومين العلمانيين، وتم إلحاقهم مع أحزابهم وقياداتهم بالنظام السوري، ومَن رفض «الطاعة» دفع الثمن باهظاً بالانقلابات المخابراتية داخل الأحزاب «الشيوعية» منها و»القومية» و»الناصرية».
في المقلب الآخر، كانت الأحزاب المسيحية تجتمع في قرنة شهوان برعاية من البطريرك الماروني الكاردينال نصرالله بطرس صفير، في ذلك الوقت، من أجل تطبيق الدستور واتفاق الطائف، ولم يكن الرئيس رفيق الحريري بعيداً عن الصورة، في تلك الأثناء، فهو الأكثر تمثيلاً وحضوراً، حتى وإن كان خارج السلطة أو داخلها، مما أقلق النظام السوري الذي فتح علاقاته مع الإيرانيين بشكل فاضح وعلني، وظلّ يحاول «تكسير» ما عمل من أجله الرئيس الشهيد لبناء الدولة ومؤسساتها وإعادة بيروت إلى الحياة ولبنان إلى خارطة الاهتمامات العربية والدولية.
كان الطلاب يتظاهرون ويطالبون بانسحاب الجيش السوري علناً، وكانت أيدي الدولة المخابراتية التي بناها النظام السوري داخل الدولة من أجل التخريب ومن أجل حماية المستفيدين من أتباعه تنخر جسم المؤسسات اللبنانية.
ما بين العام 2000 والعام 2005 كان لبنانيون من كل الاتجاهات تقريباً يلتقون على ضرورة خروج الجيش السوري من لبنان، وكانوا يصرّون على ذلك الأمر، كلما كانوا يرون حجم المخاطر على استقلالهم ودولتهم من هذا النظام المتغلغل في مؤسسات الدولة وسلطتها، الى درجة ان فتح مدرسة أو شق اوتوستراد أو توسيع مطار، صار يشكل أزمة حقيقية، فكيف إذا تحدثنا عن تشكيل حكومة أو انتخابات نيابية أو نقابية بعد تقويض كل الحركات السياسية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية والمطلبية؟
كان اللبنانيون يضحكون على أنفسهم عندما يختلف الجار مع جاره أو الزوج مع زوجته في البيت نفسه، ليحضر رجل مخابرات سورياً ليفض هذا النزاع أو يتدخّل لفض تلك «الخناقة العائلية».
تصاعدت الأمور عندما حاول مَن نصّب نفسه «الحاكم بأمر الله« في لبنان، بشار الأسد، التمديد لرئيس الجمهورية السابق اميل لحود، وبدأ يعدّ عدّته لتحقيق هذا الأمر داخلياً واقليمياً، عبر «زبانيته» من السياسيين، إلا أنّ اللبنانيين الذين ذاقوا طعم القهر والاحتلال، وبعدما تحرّروا من الاحتلال الإسرائيلي كان لا بد لهم من التطلع نحو أفق آخر وحلم لا بد أن يأتي هو حلم الانتهاء من نظام الوصاية وهيمنة ماكينة «البعث» على دولتهم، وإنهاء مرحلة أليمة من تاريخهم في العلاقة مع دولة شقيقة على الحدود وطمحوا إلى إرساء علاقات ندّية، والتخلص من وجع ذلك الحضور الذي كان يذكي الحرب بين اللبنانيين ويشرع الساحة لجولات التقاتل ويبقيها عنواناً لتبادل الرسائل، حيث أمسك النظام السوري على مدى ثلاثة عقود مفاصل الدولة وقراراتها التي خضعت لتعليمات «المخبرين» و»المخابراتيين».
وصلت الأمور بنظام الإجرام إلى حد اغتيال الرئيس رفيق الحريري في 14 شباط 2005، في جريمة أحدثت ثورة غير منتظرة، فجأة وجد اللبنانيون أنفسهم أمام تحدٍ كبير، إما أن يبقى لبنان بعد تغييب مَن أحب شعبه ووطنه ودفع دماءه ثمناً للدفاع عنه وعن حريته وإما أن يبتلعه نظام البعث، فثاروا موحّدين إلاّ قلّة من قوى الممانعة حاولت أن تستعرض قوّتها بـ»الزوم إن» و»الزوم آوت» في 8 آذار 2005، فكان الرد صاعقاً في 14 آذار 2005 في التوجّه الوطني وفي الحراك الشبابي الرائع، في الشعارات والصلوات وفي الاعلام اللبنانية التي أعادت الأمل إلى نفوس اللبنانيين وبقدرتهم على تحقيق استقلالهم وحماية وطنهم.
كان مطلب الانسحاب السوري من لبنان جزءاً لا يتجزأ من مطلب العدالة لروح رفيق الحريري ورفاقه ومن محاسبة قادة الأجهزة الأمنية الذين كان بعضهم يحب دعوة الصحافيين إلى فناجين القهوة، قبل أن يلاحقهم ويقتلهم إذا رفضوا.
بخجل تم الاعلان عن الانسحاب السوري تحت عنوان إعادة التمركز بداية، ثم الانسحاب إلى البقاع ومن هناك وبعد اجتماعات للجنة المشتركة اللبنانية السورية في بداية نيسان تحركت العجلة، إلى ان تم استكمال المعجزة برحيل آخر جندي سوري عن لبنان في 26 نيسان 2005.
خرج جيش نظام البعث من لبنان ولم يجد الجنود الذين رحلوا أيادي لبنانية تودعهم، هتافاتهم «بالروح بالدم نفديك يا بشار»، لم تثر سوى لا مبالاة الاهالي الذين فرحوا باستعادة حريتهم، فيما كان «أزلام» البعث يبحثون عن طرق لإظهار فجيعتهم، بعضهم قدم لرستم غزالي بوستر «شكراً سوريا» قبل أن ينصرف هو الآخر من مقره في عنجر، في بيروت لبس النائب عاصم قانصوه «الكوفية» مع جمهرة من صبيانه ليهدد ويتوعد.
رحل نظام الأسد من لبنان، حاول التعويض لاحقاً بجعل سوريا مربضاً إيرانياً بوجه الشعب السوري، ويبدو أن مسرح القتل الذي أراده هذا النظام للإبقاء على سلطة آل الأسد التي ثار ضدّها الشعب السوري والمعارضة السورية التي وجدت في ثورة الاستقلال بلبنان طريقاً نحو ربيع دمشق الذي بحث عنه الصحافي الشهيد سمير قصير وهو يدافع عن حرية لبنان وديموقراطية سوريا.
رغم خروج الجيش السوري من لبنان، إلا أن نفوذ النظام الاسدي بقي معلقاً بجلابيب «حزب الله» وبقايا الأحزاب الممانعة غير المؤثرة في الحياة السياسية اللبنانية، إلا من باب الدعم الذي تتلقاه من ممثل النظام السوري والايراني الشرعي في لبنان، تحت عنوان حزب المقاومة والذي سرعان ما أظهر عدوانيته تجاه اللبنانيين ووظيفة سلاحه الحقيقية لحماية آل الأسد.
كثيرون اليوم يطرحون الأسئلة عما إذا كان الانسحاب السوري شكلياً، للتشكيك في الانتصار الكبير الذي حققه الشعب اللبناني بوحدته وثورة الاستقلال الثاني، في اشارتهم الى تأثير ودور «حزب الله» في الشأن اللبناني، لكن الواقع يظهر ان النظام السوري غارق حتى أذنيه بالمشكلات ورئيسه يختبئ في أقبية قصر الشعب، و»حزب الله» تحول من قوة تحرير الى قوة احتلال سرعان ما تهزم أمام ارادة الشعب السوري الذي انتفض في ثورة من أجل الديموقراطية والكرامة كما انتفض اللبنانيون من أجل العدالة والحرية.
وعلى أي حال، وبغض النظر عن «القيل والقال»، لا أحد يستطيع أن ينكر ان ما تحقق بعد ثورة الأرز من محاولات لإعادة بناء المؤسسات وضرب أيدي الاخطبوط السوري هو إنجاز، وبغض النظر عن محاولات النظام السوري العودة الى الساحة اللبنانية، الا انه من الواضح ان العلاقات اللبنانية السورية اختلفت اختلافاً جذرياً بعد الانسحاب السوري لا سيما من العام 2005 الى العام 2011، حيث حصرت العلاقات بأطر رسمية فقط، لكن الانقلاب الذي جرى على حكومة الرئيس سعد الحريري بإيعاز سوري من قِبَل «حزب الله» وتحت عنوان «حماية المقاومة» كان محاولة العودة للإمساك بالساحة اللبنانية بشكل مختلف، إلا ان هذه المحاولات كانت فاشلة، لا سيما بالنظر الى دور السفير السوري في لبنان الذي ظل يحاول رسم السياسة الخارجية للبنان، وفي كل مرة كانت تتم تعرية مواقفه، فلبنان الذي حمى نفسه بقرارات الشرعية الدولية من الـ1959 إلى الـ1701، كانت مواقفه الرسمية واضحة لا سيما على لسان رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان وعلى ألسنة قيادات 14 آذار التي تصدّت لكل محاولات تمرير «الرسائل» السورية والايرانية عبر وزير الخارجية السابق في الحكومة الميقاتية وفضحت «المستور» لتحافظ على نقاوة ثورة الاستقلال من عسس المخابرات ولتفك قيود «البعث» عن أيدي اللبنانيين.
يوم 26 نيسان 2005 ذكرى نستعيدها اليوم لنؤكد ان الزمن الجديد الذي صنع بدماء الشهداء، هو يوم عظيم وكل التشكيك لا يقدّم ولا يؤخر في ان الحدث كان كبيراً، عندما انقلب «السحر على الساحر» لأنّه كان حقاً.. «اليوم المجيد».