أخر صيحات الموضة السياسيّة، صفة “الوفاقي” الذي اخترعها العماد ميشال عون لنفسه وعمّمها على نوابه الكرام، النواب أنفسهم الذين أتحفونا بمئات التصريحات الرافضة للفراغ. وها هم اليوم.. للفراغ عنوان.
بدأت الحكاية بنغمة “الرئيس القوي”.. من هم “الأقوياء”؟ عون وجعجع أولاً والجميل وفرنجية ثانياً. اجتماعات عدة في بكركي للاتفاق الضمني لحصر الرئاسة للـ”أقوياء” والمجاهرة في رفض الفراغ والعمل عن الإتيان بالرئيس “القوي”.
سمير فريد جعجع، أحد هؤلاء الأقوياء قرر أن يترشح، شاور وتشاور، عقد في العلن اجتماعاً حزبياً أيد ترشيحه ومن ثم حصل على دعم الفريق الذي ينتمي إليه.. حتى الساعة لم يُخطىء الرجل، قدم برنامجاً سيادياً يُشبه في أهدافه حدّ التطابق، “الكتيّب البرتقالي” الذي أخفاه ميشال نعيم عون ذات “تفاهم”.
قامت القيامة.. لماذا؟ تاريخ الرجل.. أين؟ كيف؟ لماذا في زمن الاستنساب؟ هو أساساً ضمن “الأقوياء” الأساسيين التي باركت اجتماعهم بكركي، إذاً، ووفقاً للمنطق “الممانع”، لا حاجة لحضور جعجع تلك الاجتماعات كون مواصفاته لا تسمح له أن يكون رئيساً، الرئاسة باتت حكراً لمن يستطيع أن يكون قوياً ساعة يشاء ويتحول توافقيّاً ومن ثم وفاقيّاً لحظة يريد.
هنا أيضاً يُمكننا سحب “الوفاقي” من هذا “البازار المفتوح”، إذ لا يُمكن لـ”فخامته” الانتقال إلى الشاطىء الرمادي والاحتفاظ في آن بتلك القوة التي سمحت له ذات يوم أن يُسقِط رئيساً للحكومة عن عرشه لحظة دخوله لمقابلة رئيس أقوى دولة في العالم. والقوة المفقودة أيضاً أجبرت صاحبها “الوفاقي” على التحول إلى “الإبراء الممكن” بعد أن كان مستحيلا في زمن أبلسة سعد الدين، الوجه الآخر لأيمن الظواهري في ذلك الحين.
كان بإمكان العماد ميشال عون إقناع الرأي العام أنه خير من يحمل صفة الوفاق لو دخل بالأمس قاعة مجلس النواب كما فعل حليف حليفه رئيس المجلس.. كان بإمكانه أيضاً، أن يضحك على الرأي العام أكثر، لو لم يطلب من بعض “المهرّجين” في الجلسة الأولى، استحضار الحرب الأهلية بشكلها الانتقائي في أوراق سوداء.. فهلّ هكذا يكون الرئيس الوفاقي؟
في هذه الحال التعطيلية التي نصل إليها جلسة تلو الجلسة، تقع الملامة والمسؤولية حصراً على العماد ميشال عون وكلّ من يُصفِّق له ابتهاجاً بإدخال لبنان في الشرّ المستطير وكلّ من يسكت مُتفرِّجاً وهارباً من إبداء رأيه بشجاعة في انتظار رجحان الكفّة، بعد أن وضع البلاد على شفير الفراغ لأنه لم يجرؤ على مواجهة سمير جعجع من دون ضمان الأصوات الكافية لحمله إلى “قصر الشعب” رئيساً..
في جلسة الأمس، سجّل سمير جعجع أهدافاً عديدة في مرمى خصمه الهارب من المواجهة الديمقراطية، لكنّ الفوز جاء لصالح “فخامة الفراغ”، المدعوم من رئيس أكبر تكتل نيابي عند المسيحيين.. يا للعار.
سجِّل يا تاريخ.. “التوافقي – التعطيلي” يُدخِل لبنان في أتون الفراغ (حتى إثبات العكس) ويضع أرفع منصب “وطني مسيحي” في مهب الريح في زمن “قايين وهابيل”.. فلو عرف المشترع ماذا سيحلّ بالجمهورية مع هكذا “وفاقي”.. لكان ابتكر حتماً، مادةً دستورية تبقي رئيس الجمهورية لتصريف الأعمال، حتى بزوغ فجر التسوية.. حينها فقط، يحقّ لكم التعطيل ما أردتم.