بعدما كانت الديموقراطية باباً للتنافس
"السياسة التوافقية" تقيم ما يشبه نظام الحزب الواحد
تأخذ أوساط سياسية وشعبية على الأكثرية النيابية ان الأقلية تتصرف معها كما كانت تتصرف من قبل فحالت دون تمكينها من الحكم بقدر ما تحكمت بها. وان هذه الأقلية لا تبادل الأكثرية بالمثل حرصاً على الوحدة الداخلية وعلى النهوض بلبنان في كل المجالات وكأن لا انتخابات جرت وحددت نتائجها الاحجام. وتتساءل الاوساط نفسها لو ان الأقلية الحالية أصبحت أكثرية، والأكثرية أقلية، هل كانت تتعامل معها كما تتعامل الأكثرية الحالية معها، هل كانت تقبل بان تفرض عليها اسم رئيس حصري لمجلس النواب ولا مرشح سواه؟ وهل كانت تقبل بانتخابه بدون شروط ولا حتى ايضاحات لأسباب اتخاذه مواقف سابقة جعلته فريقاً ضد فريق وهي التي وضعت شروطاً على انتخاب رئيس للجمهورية وعلى تشكيل الحكومة؟ وهل كانت تقبل بتشكيل حكومة وحدة وطنية بشروط كالتي تضعها الأقلية الحالية ومنها شرط اعطائها "الثلث المعطل" كي تعطل صدور اي قرار لا يعجبها، عدا شرط الحصول على الحقائب التي تريد؟
لقد بلغ تساهل الأكثرية مع الأقلية المسلحة وتهديداتها قبل الانتخابات حد التسليم بعدم انتخاب رئيس للجمهورية من صفوف قوى 14 آذار والاصرار على انتخاب رئيس توافقي لا يكون من صفوف اي فريق، وعندما صار اتفاق على ان يكون العماد ميشال سليمان هو الرئيس التوافقي، ربطت الأقلية انتخابه بتشكيل حكومة وحدة وطنية يكون لها فيها "الثلث المعطل" فأدى ذلك الى تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية ستة أشهر. ولم يكن ثمة سبيل للخروج من هذه الأزمة المستعصية إلا بعقد لقاء في الدوحة انتهى بتسوية موقتة وان على حساب الدستور واتفاق الطائف.
واستطاعت الأقلية المسلحة بشراستها وعنادها قبل ذلك، ان تمنع اقرار مشروع النظام الأساسي للمحكمة ذات الطابع الدولي في مجلس الوزراء باقدام الوزراء الشيعة على الاستقالة وتعذر تعيين بدائل عنهم واقفال ابواب مجلس النواب للحؤول دون عرض هذا المشروع على الهيئة العمومية للمجلس بذريعة انه صادر عن حكومة غير شرعية وغير ميثاقية…. واستطاعت في اتفاق الدوحة ان تجعل قانون الـ60 اساساً لاجراء الانتخابات وبحجة استعادة حقوق المسيحيين… وان يكون لها في حكومة وحدة وطنية الثلث المعطل وسمت هي وزراءها مع حقائبهم وفرضت "تسمية موظفين" في المديريات العامة تحت طائلة بقائها شاغرة الى اجل غير معروف بعدما استطاعت ان تفرض بقاء الرئيس لحود في منصبه حتى آخر يوم من ولايته مهددة بالنزول الى الشارع للحؤول دون تنحيته.
وكما استطاعت الأقلية سابقاً ان تفرض على الأكثرية الرئيس بري مرشحاً وحيداً لرئاسة المجلس، فانها كررت ذلك مع الأكثرية الجديدة التي لم تعد وهمية كما كانت توصف، بل اصبحت حقيقة ساطعة كونها انبثقت من انتخابات حرة ونزيهة. وذهبت هذه الاقلية الى حد رفض وضع اي شرط لانتخابه ولا حتى طلب ايضاحات لأسباب مواقفه السابقة وتصرفه كرئيس "حركة امل" وليس كرئيس لكل النواب، فلو ان الأقلية الحالية كانت اكثرية هل كانت قبلت بانتخاب رئيس للمجلس الا بشروطها، ولم تربط انتخابه بالاتفاق المسبق على تشكيل حكومة الوحدة الوطنية تسهيلاً لتشكيلها وإزالة العراقيل من طريقها، وهو ما فعلته من قبل عندما ربطت انتخاب رئيس الجمهورية بالاتفاق المسبق على تشكيل الحكومة… فكان اتفاق الدوحة، فهل تريد الاقلية الجديدة تكرار المشهد وجعل تشكيل الحكومة الجديدة يتم في الخارج وليس في لبنان؟!
الواقع، ان سياسة التوافق المعتمدة حتى الآن هي التي تجعل الأقلية تتحكم بالأكثرية خصوصاً وهي اقلية مسلحة تجعل الناس لا ينسون بسهولة 7 أيار، اذ لا تزال آثارها في نفوسهم، وهم يخشون ان يتكرر، كلما لم يعجب الاقلية اي قرار تتخذه الاكثرية… واستمرار العمل بهذه السياسة سوف يقضي تدريجاً على النظام الديموقراطي الذي مارسه لبنان منذ الاستقلال وعلى تعريض مؤسساته لخطر التعطيل والشلل، وبات لا يحق للأكثرية ان تحكم الا مع الاقلية او بالتفاهم معها بحيث لا يصدر اي قرار او موقف الا بالتوافق في كل المجالات السياسية والامنية والاقتصادية، واذا لم يحصل هذا التوافق كان الشلل والجمود…
لذلك، فان العودة الى ممارسة النظام الديموقراطي ممارسة صحيحة، والعودة ايضاً الى احكام الدستور، هي التي تجعل الأمور تستقيم ويعود الوضع في البلاد الى ما كان عليه من استقرار وازدهار، اذ انه كان للاكثرية الموالية مرشحوها لرئاسة الجمهورية ولرئاسة المجلس ولرئاسة الحكومة وللاقلية المعارضة مرشحوها ايضاً، حتى وان كانت حظوظهم بالفوز ضئيلة. وكان التنافس الديموقراطي يحصل في كل انتخاب بين مرشحي الموالاة ومرشحي المعارضة ولكن منذ ان اصبح لبنان خاضعاً للوصاية السورية على مدى 30 سنة فقدت الديموقراطية وجهها الصحيح، وحلت مكانها ما يسمى بدعة "الديموقراطية التوافقية" التي لا تطرح سوى المرشح الاوحد لكل من السلطات الثلاث، وما انتخاب الرئيس بري للمرة الخامسة رئيساً لمجلس النواب سوى تطبيقاً لهذه الديموقراطية الجديدة التي كانت مرفوضة من قبل لا بل لم يكن لها وجود. ويذكر الجميع يوم اصر العميد ريمون اده على منافسة اللواء فؤاد شهاب على منصب الرئاسة الاولى رغم انه كان يعلم ان فوز شهاب اكيد، انما اراد الاستمرار في المعركة منافساً له أن يجعل الديموقراطية في لبنان هي التي تفوز.
اما الاستشارات الملزمة التي كان يجريها رئيس الجمهورية لتسمية رئيس الحكومة كان يتنافس فيها مرشحان او أكثر، وكانت الأكثرية العددية هي التي تحسم التسمية.
الواقع، ان هذا النمط في العمل السياسي تعطل منذ زمن الوصاية السورية، بحيث صار رئيس الجمهورية معروفاً بقرار من دمشق وقبل انتخابه، ورئيس الحكومة معروفاً بقرار منها وكذلك تشكيل الحكومة، ورئيس المجلس معروفاً ايضاً قبل انتخابه… وصار النظام التوافقي في لبنان أشبه بنظام الحزب الواحد بمرشح اوحد لكل من الرئاسات الثلاث فلا اكثرية فيه تحكم ولا أقلية تعارض بل أكثرية تتوافق مع الاقلية على الحكم ومجلس نواب لا يحاسب ولا يسائل عندما تجتمع الأكثرية والاقلية، اي الموالاة والمعارضة، في حكومة واحدة… فتحكم اذا اتفقت، وتشل الحكم اذا اختلفت…