ما لم تنجزه 14 آذار في ختام يومها المشهود عادت فحقّقته ولو بعد أربع سنوات
الحريري رئيساً مكلّفاً: انتهت محنة "التعادل السلبي"
بتكليف رئيس "تيّار المستقبل" النائب سعد الحريري رئاسة الوزراء تكون ثورة الأرز قد وصلت إلى لحظة تاريخيّة: فلأوّل مرّة من عمر الأزمة الأهليّة المستفحلة منذ سنوات يمكن القول أنّ البلاد تخرج من دوامة "التعادل السلبيّ" وهي الآن على أهبّة الإفلات من معادلات التعطيل.
منذ سنوات والبلاد أسيرة "التعادل السلبيّ"، بين قوى التحديث والإنفتاح من ناحية وبين "النظام الأمنيّ" التابع للوصاية من ناحية أخرى، ثم بين معسكر الإستقلال وبين معسكر الممانعة من ناحية أخرى.
فالآن تطوي البلاد صفحة "1998".. يوم كشفت شبكة "النظام الأمنيّ" عن نفسها أوّل ما كشفت بتجاوز الدستور في مسألة الإستشارات النيابية الملزمة، ثم كرّت سبحة المسرحيّات الهزليّة من "غرفة الشكاوى"، إلى "المحاكمات القراقوشيّة". من ينسى، بالمناسبة، أنّه قبل أسابيع قليلة، كان "قدامى النظام الأمنيّ" يجاهرون بحقّهم في التوزّر، ووصل "من يشبّه نفسه بآينشتاين" بينهم حدّ المطالبة بوزارة العدل.
والآن تستكمل البلاد إنجازات "2005" التي تكرّس بعضها، بقوة الشعب الهادر، في عامية 14 آذار الإستقلالية الديموقراطية، في حين أهدر بعضها الآخر بسبب عدم استكمال الإنتفاضة بإسقاط حكم التمديد مساء 14 آذار، وقد كان ذلك متاحاً، وأكثر من متاح.
اليوم يمكن القول أنّ الوضع يشابه ما كان ليحصل مساء 14 آذار 2005 لو أنّ الجماهير أطاحت "ثوريّاً" بشبكة "النظام الأمنيّ" بدءاً من الرأس. هذا مع فارق أساسيّ، وهو أنّ حسم "التعادل السلبيّ" تكرّس اليوم بنتائج إنتخابات نيابيّة أنجزت في ظلّ خلل أمنيّ ميدانيّ غير مسبوق، وفي ظلّ إسدال جدار حديدي فوق قسم رئيسيّ من المناطق اللبنانيّة ومنع الإنتخابات فيها، وفي ظلّ تخيير الفريق الإستقلاليّ بين المشاركة الشكليّة وبين فتح باب السجون..
فهذه الإنتخابات حصلت في ظلّّ معادلة السلاح المتغلّب بعد 7 أيّار، بحيث بدا أنّ "التعادل السلبيّ" السياسيّ قائم على "إختلال" كامل في ميزان القوى الأمنية.. مع ذلك فإنّ هذه الإنتخابات أستطاعت، بنتيجتها، أن تطوي صفحة "التعادل السلبيّ" وتفسح المجال لصفحة الحكم الإستقلاليّ المفتوح على الشراكة، والطليعيّ في أسرة الإعتدال العربيّ.
اليوم المشهد مختلف تماماً عن ذاك الذي أنتهت إليه إنتخابات 2005.. قبل أربع سنوات كان إميل لحّود هو من يجري الإستشارات النيابيّة الملزمة.. وقبل أربع سنوات لم تكن زعامة سعد الحريريّ قد دخلت بعد في معمعان أربع سنوات من الكفاح المرير.. وقبل أربع سنوات كان سمير جعجع لم يزل في غياهب السجن وميشال عون ما زال ينظر إليه على أنّه قائد حرب التحرير الشعبيّة ضد الوصاية السوريّة.. وقبل أربع سنوات كانت الأكثريّة النيابيّة معرّضة للإبتزاز بأنّها حصلت على مقاعد دائرة بعبدا عاليه بواسطة "التحالف الرباعيّ" وبأنّها تحت وصاية هذا التحالف.
تبدّل الوضع كليّاً الآن.. ولأجل ذلك ما عاد "التعادل السلبيّ" سيّد الموقف. صحيح أنّ مبدأ "الأكثرية تحكم والأقلية تعارض" دونه أكثر من مشكلة في لبنان، إلا أنّ القول بأنّ "للأكثرية في الحكم ما للأقلية" قد سقط شرّ سقطة، ومهما كانت محاولات المكابرة فلن تقوم لهذا الرأي قائمة.
لا يعني ذلك أنّ الصراع الأهليّ والسياسيّ قد حسم، وأنّ جماهير الإستقلال ينبغي أن تنصرف إلى أعمالها الجاريّة بدءاً من اليوم. لكن سواء حرّك "الثلث المعطّل" من جديد أو لم يحرّك، فإنّه سيطرح في ظلّ وضعيّة لا لبس في أنّها لصالح 14 آذار. ويبقى أن نعرف من "المعارضة" إن كانت تبقي على "الثلث المعطّل" كشعار لمجرّد تعبئة جمهورها، أم تحاول أن تتربّص بهذا "الثلث" لإعتراض سبيل تشكّل الحكم الإستقلاليّ.