#adsense

المشاركة الحكوميّة محكومة بمعادلة أكثريّة وأقليّة

حجم الخط

الطّرف الرابح في الانتخابات هو الطّرف "المقرّر" والطّرف الخاسر هو المطلوب منه "تقديم اقتراحات"
المشاركة الحكوميّة محكومة بمعادلة أكثريّة وأقليّة

"المشاركة الحكوميّة" مقولة يمكن أن تكون "حميدة" في وضع لبنان، شرط أن "يعاد تأهيل" إطارها ومضمونها بعد نتائج الانتخابات النيابيّة الأخيرة، وأيضاً بعد دروس وعبر تجربتَي "المشاركة الحكومية"، أي حكومتَي الرئيس فؤاد السنيورة الأولى والثانية.
فالمشاركة الحكوميّة الحاصلة أو المنتظرة، هي أوّلاً بين ائتلافين مختلفين من حيث الطبيعة:
منذ الإنقسام بين ساحتي 8 و 14 آذار، ومن ثمّ انتخابات 2005، أختُصِرت الحياة السياسية في ائتلافين كبيرين تقوم بينهما "المشاركة الحكوميّة". يمتدّ كل من هذين الائتلافين على مساحة الوطن، ويخترقان البيئات الطائفية جميعها، إنّما بنسب متفاوتة بين بيئة وأخرى بحسب هذا الإئتلاف أو ذاك، وهو ما من شأنّه إظهار الاصطفاف الحاصل على أنّه صراع بين تكتّلين في كلّ منهما أكثريّات في طوائف معيّنة وأقليّات في طوائف أخرى.

مع ذلك، فإنّ الإختلاف بنيويّ بين الإئتلافين منذ البدء، لأنّ أولّهما، أي 14 آذار، جاء حصيلة اندفاع شعبيّ تلقائي مع انتفاضة الإستقلال وبالتفاعل مع إستيعاب تدريجيّ للقيادات السياسيّة، في حين أن الإئتلاف الثاني، أي 8 آذار، تشكّل أساساً من شعور إنتاب قيادات وقواعد الشريحة المعنيّة بفقرة حل الميليشيات الواردة في القرار 1559، ثم توسّعت الدائرة بشكل "نفعيّ" و"غير تلقائيّ" لتعيد تشكيل لوحتها، بموجب "تفاهم مار مخايل" مع التيّار العونيّ على أساس الجمع بين رفضين مختلفي الطبع والوجهة لمنطلقات وأهداف ثورة الأرز، وللدستور اللبنانيّ بعد الطائف.

وهذا الإختلاف البنيويّ إن جرى إغفاله في مرحلة كان يحكى فيها عن أكثريّة فطريّة من المسيحيين توالي العماد ميشال عون، فإنّه يظهر بشكل أوضح بعد تجربة السنوات الأربع الماضية. ذلك أنّ جمهور 14 آذار بقي موحداً عبر بيئاته الطائفية المختلفة، ويتحشّد بصورة جامعة هادرة في 14 شباط من كل عام، في حين أنّه لم يحدث قط أن اتخذ جمهور 8 آذار الموسّع بـ"تفاهم مار مخايل" صورة جماهيريّة مشتركة موحّدة، وبقي التحالف بين عون و"حزب الله" هو أقلّ خيارات عون شعبيّة حتى بين العونيين أنفسهم، بل انّ العماد عون نفسه تتفلّت منه بين الفينة والفينة ما يستدلّ منه أنّ هذا التحالف ليسَ أفضل ما كان يتمنّاه في سيرته الكفاحية.

ومن جهة ثانية، فإنّ هذه المشاركة الحكومية هي بين ائتلافين غير متساويين من حيث الشرعيّة الشعبيّة، والشرعيّة الشعبيّة لها بموجب الدستور اللبنانيّ شكل واحد للإحتكام إليها: الإنتخابات النيابية. والإنتخابات تقرأ من حيث عدد المقاعد التي نالها كلّ فريق، أمّا النظر في طريقة توزّع الأصوات وعددها فينفع كدراسة "أنثروبولوجية" على الأكثر، ولا ينفع أبداً لمعارضة "أكثرية شعبية" بأخرى "شعبية".

وانتخابات 2009 حرّرت الأكثريّة الشعبيّة لـ 14 آذار من كل شبهة. فلا قانون 2000، ولا "التحالف الرباعيّ"، ولا ردّة الفعل المباشرة على الإغتيالات، ولا الإندفاعة التالية مباشرة لجلاء جيش الوصاية السوريّة. وإذا ما احتسبنا أنّه في الإنتخابات غالباً ما تكون "المعارضات" في موقع أفضل، كونها تكون قد اغتنمت كلّ خطأ يقوم به الفريق الموالي، فإن نجاح 14 آذار في تجديد أكثريتها بهذا الحجم يؤكّد على أنّ أكثريتها الشعبيّة واقع لا بدّ من تقبّله من كل الفرقاء لإنجاز المشاركة الحكوميّة على أساسه.

المشاركة ليست بين ائتلافين سياسيّين متعادلين، وإنّما بين ائتلاف انتزع أكثريّة نيابيّة بفارق 13 نائباً عن الإئتلاف الآخر. بالتالي، فإنّ شرط المشاركة الحكوميّة الحميدة إيضاحُ أنّها تقوم بين أكثريّة وبين أقليّة.

المشاركة الحكوميّة الحميدة ينبغي إذن أن تنبني على أساس نتائج الإنتخابات النيابيّة، وعلى قاعدة ضرورة أن تلتزم الأقليّة بحدّ معقول من التجانس الحكوميّ، فترشّح للوزارات من تراهم الأقدر على التعاون مع رئيس الوزراء المكلّف سعد الحريري، وليس من تفرزهم بقصد تأجيج التوترات.
والأصل الآخر في هذا التجانس هو أن يراعى موقع رئيس الجمهوريّة، وأن تكون حصّة الرئيس في الحكومة من النوع الذي يسهّل عمليّة التأليف، ثم يدّعم وحدة السلطة الإجرائية.

ولا يمكن أن يستتب التجانس إذا ما أرادت "الأقليّة" أن تكون "معارضة من داخل وخارج الحكم في وقت واحد". من يريد تأصيل خيار "الإعتراض" من داخل الحكم عليه أن يمتنع عن أشكال الإعتراض غير المؤسّسية، وعن لعبة الشارع.

والمشاركة على أساس التجانس هي في المقام الأوّل مشاركة على أساس عدم تعطيل عمل الحكومة في شقّه السياسيّ كما في شقّه الإقتصاديّ، ولأجل تجاوز التعطيل لا ينفع فقط تجاوز "الثلث المعطل" كمعادلة رقمية حكمت عمل الحكومة السابقة وشلّتها، إنّما المطلوب مراجعة متأنيّة لذهنية ما زالت كلما تسمع خبراً عن نمو اقتصاديّ أو عن جذب استثمارات أو عن اقتصاد حرّ، تطالعنا بحديث باهت عن "وزارة تخطيط" وغيره.
ليس يمكن والحال هذه أن تقبل الأكثريّة بما اقترحه عليها نائب أمين عام "حزب الله" الشيخ نعيم قاسم في الآونة الأخيرة من أنّ لها "حق تقديم الإقتراحات" في حين للمعارضة حقّ "البتّ في الإقتراحات". في الحقيقة، فإنّ المعارضة داخل الحكومة هي صاحبة الحقّ في "تقديم الإقتراحات" أو في "تصويب الإقتراحات المقدّمة". أمّا الأكثريّة فهي تحكم "بمشاركة الأقليّة" لكنها إمّا أن تكون الطرف المقرّر في هذه المعادلة وإمّا أن تكون الطرف المعطّل من قبل الأقلية، وعندما تعطّل الأقليّة الأكثرية فيعني هذا أنّها تفرض نفسها كوصيّ على البلد بالشكل الذي لا تتيحه نتائج الإنتخابات الأخيرة.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل