#adsense

حفلة “هالوين” سياسية ؟!

حجم الخط

حفلة "هالوين" سياسية ؟!

ليست "الأقنعة المخيفة"، هي تلك التي ظهرت في زوايا غابة الرصاص والقذائف الصاروخية في عائشة بكار أول من أمس، وقد قيل انها مراسيل الطابور الثالث او الخامس او السادس، تنزل تكراراً الى الشارع وكأنها رسائل مع إشعار بـ"الاستلام".
"الأقنعة المخيفة" فعلاً، هي تلك الوجوه المبتسمة مكراً، أو الـ"صفراوية"، وقد "تلبّسها" عدد من الذين قابلهم رئيس الحكومة المكلّف سعد الحريري، الذي حرص تكراراً في اليومين الماضيين على التلميح الشديد التهذيب والشديد اللياقة، عندما تحدث، أولاً عن "التزام الصراحة والشفافية، ليتحمل كل واحد منا مسؤوليته".

وثانياً عندما قال ان أهمّ ما يريده هو وحدة الوطن "لأن التحديات كبيرة وخطيرة وهناك فرصة كبيرة للبلاد".
ولكن بعضاً من هذه الوجوه السياسية المقنّعة، لا يريد للبنان ان يقبض على "فرصته الكبيرة" لفتح صفحة جديدة والانطلاق في ورشة بناء الدولة الحقيقية التي تشكل مظلّة حماية ورعاية واطمئنان للجميع. وليس كثيراً اذا قلنا ان الانتخابات النيابية التي كانت مسرحاً للوجوه العابسة تنافساً، وكذلك للسحن المقطّبة وللغضب الساطع، سرعان ما تحوّلت مع الاستشارات ثم مع التكليف نوعاً من "البربارة السياسية"، بعضها "يلبس" وجوهاً مبتسمة ويخفي السكاكين وراء ظهره!

❑ ❑ ❑

طبعاً من المبكر الحديث عن مسيرة تشكيل الحكومة العتيدة، وخصوصاً ان تشكيلها الآن يمثّل عملية في غاية الحساسية والتداخل والتعقيد، تختلط فيها محلياً نيات التفشيل بمبالغات الشراهة، وتصطدم فيها خارجياً إرادة التسهيل بقرار التعطيل، الى ان يظهر الخيط الابيض من الاسود الممتد من باراك أوباما الى بنيامين نتنياهو.

وهذه امور ليست خافية على سعد الحريري الشاب الذي عليه أن يخوض ثلاثة تحديات دفعة واحدة:
❑ أولاً ان يتحدى الواقع الانقسامي المريع في البلاد، وقد بلغ حد التراشق بالأصوات في خلال انتخابات المجلس، رئاسة ونيابة، رئاسة وهيئات. ثم في استشارات التكليف، ثم طبعاً في المطالب والشروط التي ستبلغ الآن عنان السماء، وقد تجمعت وراء أكمة الصمت المفخخ لدى البعض، في انتظار ان تأتي العروض من الرئيس المكلّف!!

❑ ثانياً: ان "يتحدى" والده الرئيس الشهيد رفيق الحريري ليكمل شق الطريق الذي كان قد بدأه وقطع فيه مسافة أثارت هلع الذين ترصدوه بالانفجار المزلزل.

ويعرف سعد الحريري منذ بداية تسلمه "راية المستقبل" وقد اختارها والده رمزاً وعنواناً، انه لم يأت الى السياسة والزعامة والقيادة ليجلس في فيء شجرة والده، بل لإطلاق اغصانها الوارفة في كل اتجاه، وقد كانت جذور رفيق الحريري وأغصانه عابرة للقارات والعواصم.
❑ ثالثاً: ان يتحدى نفسه، وربما القدر، الذي شاء له ان ينزل باكراً وقبل ان يبلغ عقده الرابع الى الميدان المفعم بكل معطيات التراجيديا الاغريقية المعاصرة، حيث سيكون مفترضاً فيه دائماً ان يستولد النجاح العام من رحم الألم الشخصي، وان يستخرج الاطمئنان والرضى والحبور عند اللبنانيين من عصارة الشوق والوجع الدفين والمعاناة الذاتية عنده. فليس سهلاً ان يجلس الابناء في مقاعد الآباء الذين سقطوا في الميدان، او ان يتسلموا دفة السفينة وسط العاصفة المستمرة من الآباء الذين استشهدوا، فلم يتوافر لهؤلاء الابناء حتى ترف الحزن على آبائهم!

❑ ❑ ❑

ولا مرة تحدث سعد الحريري عن والده إلا من مآقيه المحتقنة لا من لسانه المختنق، لذلك يمكن القول ان هذا الشاب سبر أغواره جيداً قبل ان يصبح دولة الرئيس. ولانه سبر أغواره منذ عام 2005 على الأقل، لم يتردد في ان يقول فور تكليفه تشكيل الحكومة ما كان يمكن ان يقوله رفيق الحريري تماماً عن شهداء لبنان والاستقلال، وعن مواجهة العدو الاسرائيلي، وعن التزامات لبنان حيال فلسطين ورفض التوطين ومؤازرة القضايا العربية. وبالتأكيد عن فرادة لبنان وعيشه المشترك بين المسيحيين والمسلمين.
تحدّث عن حكومة قادرة على العمل، وكرّر اشتراط ان تكون صفاً واحداً أربع مرات متتالية:
مرة لتحريك الاقتصاد ومعالجة الأزمة المالية والمعيشية. وثانية عن خدمة المواطن اللبناني. وثالثة عن الانخراط في مشروع الدولة. ورابعة عن مواجهة تهديدات العدو الإسرائيلي.

مشروع حكم او خريطة طريق، كان قد اضاء على جوانب سريعة منهما في خطابه خلال الحفل الانتخابي الختامي عشية 7 حزيران. فالقضية عنده اكبر من تشكيل حكومة وتوزيع حقائب ودولة رئيس، "القضية تتعلق بمصير وطن في لحظة إقليمية تكاد تكون الاخطر والاكثر دقة في تاريخ المنطقة (…) القضية بما ينتظر اللبنانيين من المسؤولية والتضامن لحماية وطنهم من العواصف الخارجية".

❑ ❑ ❑

يعرف سعد الحريري انه يدخل الى حفلة "هالوين" سياسية، وان العراقيل والمطبات قد تكون أكثر من الظاهر، وأخطر من المسلحين المقنّعين في عائشة بكّار. وان رياح الامل والتصميم والارادة تركّز جهده على الهدف المنشود. لكنه لم ينس ان يعاهد اللبنانيين باكراً، بأنه سيعود اليهم بكل صراحة وشفافية، سواء لاستلهام النجاح أو… "ليتحمّل كل واحد منا مسؤوليته"!!

المصدر:
النهار

خبر عاجل