ينشغل اللبنانيون في هذه الفترة بالبيان الملتبس أو التغريدة المشبوهة لمن يتخذون لأنفسهم اسم “لواء أحرار السنة في بعلبك”، خصوصا بعدما ورد على حساب باسمهم على تويتر عن “توكيل مجموعة خاصة من المجاهدين لتطهير إمارة البقاع الإسلامية بشكل خاص ولبنان بشكل عام من الصليبيين ومن كنائس الشرك لمنع قرع الأجراس…”
ومع أن ردود الفعل تباينت حول كيفية التعاطي مع المسألة بين من انتابته الخشية فعلا من الإستهداف باعتبار أن الأمر ليس ضربا من الخيال إذ إن التفجيرات الأمنية تحصل تباعا، وبين من فتّح فيه التهديد طاقة العنفوان فأعلن التصدي لهم بكل قوة دفاعا عن الأرض والمقدسات. ولكن اللافت أنه في الحالين فعل التهديد فعله لناحية اعتباره حقيقة وأخذه على أنه واقع، علما أن هناك العديد من الأسباب التي كان يفترض أن تفتح العين على الغايات المراد تحقيقها من هذا التهديد وهي ليست خفيّة في أي حال.
ففي سياق القراءة الهادئة في الحدث، يتبين بما لا ريب فيه أن الجهة التي تطلق على نفسها أسم لواء أحرار السنة في بعلبك وتحرك حسابا خادعا على تويتر، صدر عنها حتى الآن أمران: أولهما إعلان العداء لحزب الله والحرب عليه، وثانيهما تهديد المسيحيين اللبنانيين، ما يقود إلى ملاحظات عدة أبرزها:
– البدء بمهاجمة حزب الله (ولو اقتصر الأمر على بيانات التهديد)، وتبنّي عمليات ضده لم تقم بها الجهة المدّعية أصلا، مثل اغتيال القيادي في الحزب حسان اللقيس، الذي تبين أن الموساد وراء اغتياله، وذلك لإشاعة الإنطباع بأنها جهة قادرة فعلا وأنها تدافع عن أهل السنة.
– الإنتقال إلى تخويف المسيحيين بالضرب على الوتر الديني، وإلا لماذا التهديد باستهداف الكنائس لا المراكز الحزبية مثلا.
وبعد افتضاح أمر الجهة التي تحرك هذا الحساب واتضاح زيفها، كون التحقيقات مع الموقوفين أو المعلومات الإستخبارية لم تكشف أي وجود عملاني لها، يجدر التوقف إذن عند بعض أهداف مبتكري التنظيم الوهمي، ومنها:
· دفع الشيعة إلى الوقوف صفا واحدا خلف حزب الله في فترة عصيبة يصور سقوطه فيها وكأنه سقوط لهم جميعا.
· تشتيت السنّة اللبنانيين بين معتدل يعي ما يجري ومتحمس متهور تستهويه وتستقطبه مثل هذه الدعوات فيقع في فخها وينكشف أمام المخططين أصحاب المؤامرة.
· دفع المسيحيين إلى خندق واحد مع حزب الله باعتبار أن الطرفين يواجهان عدوا مشتركا وتهديدا واحدا يطال وجودهما معا، هو هذا “البعبع” غير المحدد الكيان والمكان. وفي ذلك أيضا خدمة للحزب تنتشله من النقمة المتولدة من جر الويلات على لبنان نتيجة انغماسه المتمادي في الوحول الإقليمية.
· إخافة المسيحيين لدفعهم إلى القبول بالطروح الفئوية والتعبوية السائدة مؤخرا والإلتفاف حول من يصور نفسه أنه مطالِب بحقوقهم وضامن لحمايتهم. وقد تزامن ذلك مع أكثر من استحقاق ومبادرة.
وبالفعل سرعان ما تلقفت الأمر الجهة المسيحية المستفيدة من التهديد الدائم للمسيحيين أي التيار الوطني الحر، وذلك لاستمالتهم بعد التراجع الشعبي الملحوظ نتيجة خياراتها ومواقفها على مدى السنوات الماضية ولا سيما اسطدامها مؤخرا ببكركي. وعملت على استثماره كالعادة وفي شكل ممجوج ووقح سواء عبر وسائلها الإعلامية أو مواقف مسؤوليها.
وكذلك كانت المنفعة لحزب الله حيث يستفيد من هذا الواقع لاستنهاض الهمم في بيئته بهدف كسب التأييد بعد التململ المتعاظم نتيجة الخسائر في الأرواح في سوريا من جهة، وتبرير حربه وسلاحه بأنه لمواجهة الأخطار الماثلة من جهة ثانية.
وفي الخلاصة بات واضحا أن من يقفون وراء بيانات لواء أحرار السنة الوهمي وإعلان إمارة إسلامية في البقاع هم أنفسهم من كانوا وراء إعلان إمارة إسلامية في الشمال، ومن يهددون بـ”تحرير البقاع من الكنائس” هم أنفسهم من فجروا كنيسة سيدة النجاة في الذوق وجامعي التقوى والسلام في طرابلس، وهم أنفسهم من كلفوا ميشال سماحة استهداف مشايخ وتجمعات رمضانية في عكار، وهم من زرعوا المتفجرات في المناطق المسيحية عشية انتخابات العام 2005 لأخذ الرأي العام باتجاهات معينة وقد فعلت فعلها يومها، والأمل أن يكون هذا الرأي العام قد كشف زيف تلك المخططات وبات لديه ما يكفي من المناعة لصدها وتخييب أمل فاعليها.
وقد بات معلوما أن المتابعة الامنية التي قام بها مكتب مكافحة الجرائم الالكترونية في وحدة الشرطة القضائية، عبر التتبع التقني لحساب تويتر، اوصلت الى عاصمة عربية، ما تقاطع مع معلومات استخباراتية تحدثت عن تشغيل مدير مكتب قناة فضائية للحساب. كما بات معلوما أيضا أن كل هذه العملية توقيتا ومضمونا وأهدافا تصب في خدمة أجندة سياسية لم تعد ملامحها خافية على أحد.
وعليه لا بد من إعادة تذكير من يجب تذكيره بأن من حمى الكنيسة حجرا ورسالة ومن انبرى للدفاع عن لبنان أرضا ومؤسسات ومن تصدى لهؤلاء السفلة في الماضي، هو جاهز أبدا للدفاع عنها والتضحية في أي وقت تستدعي المصلحة الوطنية ذلك. وإن للمؤمنين بلبنان وبوحدته ما يكفي من المناعة ضد الفتن وما يكفي من الوعي لكشف مثل هذه السخافات، التي لم تؤد إلا إلى فضح الأهداف الدنيئة لأصحابها الحاقدين.