بلا سلاح… لأنها العاصمة !
لماذا العاصمة؟
لأنها تختصر الوطن ومدينة للجميع، فهي عاصمتهم، وتكاد تكون وحدها من خارج المناطق "الصافية" الولاء والانتماء على أنواعه، وعندما لا تعود هكذا، تفقد مقوماتها ومواصفات العاصمة.
ولأنها تضم الجميع من كل المشارب، فمن الطبيعي أن تكون ساحة رحبة للتفاعل وليس للاحتكاك. وأسباب الاحتكاك تبدأ بالصور والشعارات والاعلام الخاصة والفئوية على اختلافها، وقد تمت معالجتها بنجاح وبفضل تعاون الجميع منذ ما قبل الانتخابات النيابية. وتبقى معالجة "عدّة" الاحتكاك والاشتباك وهي السلاح الفردي أياً يكن وزنه، وذلك تحت عنوان "عاصمة للجميع منزوعة السلاح". وإذا كان هذا العنوان يشكل إزعاجاً لأي طرف، فليكن "بيروت مدينة آمنة"، ولكي تكون آمنة، فمن الطبيعي أن تكون بلا سلاح، لا عند الافراد ولا عند الجماعات. لا عند التيارات والاحزاب والحركات، ولا عند "المجهولين" أو "الطوابير الخامسة" السافرين منهم والمقنّعين. والاخيران يشكلان خطراً على الجميع بدون استثناء: على "حزب الله" و"الجماعة الاسلامية"، و"تيار المستقبل"، وعلى حركة "أمل"، والحزب التقدمي الاشتراكي، والحزب السوري القومي الاجتماعي في "الغربية"، وعلى أحزاب "القوات اللبنانية" و"التيار الوطني الحر"، والكتائب والاحرار في "الشرقية"، وبالتأكيد على سائر التجمعات والتكتلات وعلى المواطنين جميعاً في شطري العاصمة، لأن في استطاعة أي مسلح انتحال صفة أي من هذه الاحزاب والميليشيات وأن يطلق النار باسم أي منها. وقد يقتل أبرياء وهذا ما حصل. وقد يكون منتمياً فعلاً الى أحدها وفي الوقت نفسه "ينفذ" الى مكان آخر خارج "المبادئ" والاهداف المعلنة…
وأخطر الاحتكاكات والاشتباكات المسلحة هي تلك التي تكون بين طرفين من "لونين" طائفيين أو مذهبيين مختلفين. وفي استطاعة اي مفتعل للشغب أن يورط شعباً بكامله ويدفع البلاد نحو الهاوية. وهذا ما حصل جزئياً وفي محطات مختلفة لا تشرّف أحداً. وثمة أمثلة كثيرة "ساطعة" وكلها في أحياء العاصمة وزواريبها، في حين أن احتكاكات كثيرة حصلت بالامس القريب في مناطق معينة في الجنوب والجبل وفي مجمع الجامعة اللبنانية مثلاً، وبقيت محدودة التداعيات لكونها بين أطراف من "لون" واحد، ويجب ألا تحصل بالتأكيد.
وأسوأ ما في تداعيات احتكاكات العاصمة واشتباكاتها أنها تنعكس فوراً على أمن الوطن برمته وعلى "سمعته" في كل أنحاء العالم، على رغم انها محدودة ومحصورة في بقع معينة.
وخارج بقع التوتر تلك، يبدو الأمن مستتباً في سائر مناطق لبنان، ولو وضع المسؤولون خريطة للعاصمة ورسموا دوائر صغيرة حول تلك البقع لاكتشفوا أن من غير الصعب معالجتها.
والمؤكد أن القضية ليست أمنية بحتة، بل انسانية – اجتماعية. وفي موازاة المعالجات الأمنية التي يتولاها الجيش، بنسب متفاوتة وبدت صارمة عندما أنذر باطلاق النار على أي مسلح خلال تطويقه اشتباكات محلة عائشة بكار الاحد الماضي، ينبغي اتخاذ خطوات ميدانية جدية وتنظيم لقاءات "تعارف" ومصارحة بين منتمين الى حركة "أمل" و"تيار المستقبل" يتولاها نواب العاصمة وفيهم منتمون الى الطرفين، وذلك تجنباً للكأس المرة التي يتجرعها المواطنون كل مرة، وقطعاً للطريق على مخططات باتت واضحة وتستجدي "تطوير" الخلاف من سياسي – ميليشيوي، الى طائفي مذهبي والعياذ بالله!
ومن المفيد الاقتداء بتجربة ناجحة في بعض مناطق الضاحية والجبل، بين "حزب الله" والحزب التقدمي الاشتراكي، بعد التحضيرات الجدية اللازمة.
وأخيراً لا آخراً، فإن مقولة بيروت عاصمة آمنة بلا سلاح، لا تلغي اقتناعاً راسخاً أكدته فعلاً وهو أن السلاح المقاوم هو أشرف سلاح. وإذا تعرضت العاصمة لغزو أو اجتياح اسرائيلي، لا سمح الله، على غرار الاجتياح الوحشي عام 1982، فلن تكون الاّ خط الدفاع الاول وساحة شرف لسلاح المقاومة وبمساهمة الجميع وبالتكافل والتضامن في ما بينهم، وهذا ما كان عام 1982. وحبذا لو يعود الجميع الى هذا التاريخ.
وأما سلاح الاحياء والزواريب فلن يؤدي الا الى فتح أبواب جهنم "شرقية" و"غربية" وعلى الجميع دون استثناء، ومن السذاجة الاعتقاد أن أحداً فوق رأسه خيمة. فالأمن لا يتجزأ!
سمير منصور