#adsense

“المقاومة” أمام مأزقها

حجم الخط

ليست حرب غزّة الدائرة الآن مأزقاً فلسطينيّاً – إسرائيليّاً فقط، ولا نعياً لجهود السلام ومفاوضاته فحسب، بل هي اختبار أخير للدويّ الصوتي الهائل الذي أحدثته “جبهة الممانعة والمقاومة” منذ 8 سنوات على الأقل، في إعلانها المتكرّر لقرارها تدمير إسرائيل وإزالتها من الوجود.

لم تخدع الظاهرة الصوتيّة، منذ حرب تمّوز 2006، والحروب اللاحقة في غزّة، العارفين بحقيقة الابتزاز الإيراني لقضيّة فلسطين، وحصار القطاع تحديداً.

 هي الظاهرة نفسها التي خبرها العرب والعالم منذ أحمد سعيد إلى الصحّاف، ومن الوحدات الفوقيّة إلى شعار “الصمود والتصدّي”، ومن الاستقرار الإسرائيلي المديد في الجولان وجنوب لبنان إلى شعار “الردّ المزلزل في المكان والزمان المناسبَيْن”!

ظلّت تلك “الجبهة” تهرب سنوات إلى الإمام، عبر الخطابات الناريّة وإجادة فنّ الترويج ووعود “النصر الإلهي” لأحد رموزها السيّد حسن نصرالله، بينما كان فعلها في مكان آخر يريح إسرائيل كثيراً، بين تفريغ الدولة اللبنانيّة، وتشتيت الشعب السوري، وشرذمة العراق.

والآن، وتحت مأساة غزّة المتكرّرة، لا ينتظر العارفون أنفسهم أكثر ممّا عرفوا: إطلاق صيحات التضامن، وترتيب إطلالات ناريّة جديدة، والتباهي بالصواريخ الإيرانيّة – السوريّة الصنع، وإعادة تنسيب “حماس” إلى المحور نفسه الذي خرجت منه معاقَبة ومطرودة، وتحميل المسؤوليّة للعرب، واجترار الوعد “الإلهي” بالردود المزلزلة.

وقد جاءت الرسالة الأولى من جنوب لبنان: “حزب الله” يتنصّل من الصواريخ وإسرائيل تسارع إلى تبرئة ذمّته! 8 سنوات جولانيّة جنوبيّة مستمرّة في عزّ لهيب تمّوز الجديد، البارد بين الأعداء – الأصدقاء.

ربّما يسارع أيّ “ممانع” إلى القول: وماذا تريدون، هل تحرّضوننا على شنّ عمل عسكري ضدّ إسرائيل تكون نتائجه “حرب تمّوز” جديدة، بل أسوأ؟ والله… حيّرتموننا!

لا، لا يريد اللبنانيّون أن تزجّوهم في أيّ حرب. ولكن، لا يمكنكم رفع شعار حرب جوفاء في الجنوب، وشنّ حرب هوجاء في الشمال. تبيعوننا “سلاماً” هنا لتورّطونا في مأزق هناك. نفضّل أن يكون لنا عدوٌ واحد إسمه إسرائيل نعرف كيف نواجهه ونتجنّب أذاه، على أن يكون لنا أعداء هنا وهناك ولا نعرف من أين تأتينا الطعنات.

لا يمكن ابتزازنا بعد الآن بحجّة مقاومة إسرائيل، كي تجرّوا لبنان إلى مشروع القوس الكبير من الناقورة إلى قمّ، عبر الأرض المحروقة في غزّة والمدن السوريّة والعراقيّة المدمّرة.

كنّا نقبل، ولو على مضض، حجّتكم في محاربة إسرائيل، ودفعنا أثماناً باهظة من أمننا واستقرارنا ودولتنا ودستورنا ومؤسّساتنا، حتّى كدنا نتحوّل إلى جمهوريّة موز، بلا رئيس ولا حكومة ولا مجلس نوّاب ولا قوانين ولا اقتصاد ولا أمن.

أمّا أن تفعلوا كلّ ذلك من أجل حروب سوانا وسواكم ومشاريعهم وأقواسهم وأطماعهم، فمسألة قاتلة.

جيّد أن تتفادوا الحرب مع إسرائيل، ولو ضنّاً بما بنته الأموال “الطاهرة” في الجنوب، ولطالما تغنّيتم بالاستقرار والازدهار على الشريط!

 حتّى لو كان “سلامكم” مع إسرائيل في إطار تبادل المصالح وتمويه “حلف الأقليّات” والاستراتيجيّات المتقاطعة على توزيع النفوذ في العالم العربي. تهمّنا النتيجة: إستقرار لبنان.

ولكنْ، تشترون استقراراً “مهزوزاً” هنا لتبيعوه حروباً تدميريّة عبثيّة هناك. توهموننا بسلام الفيلاّت على الحدود مع إسرائيل، وتصدموننا باستدراج الحرب إلى الداخل، إنتحاريّين وسيّارات موت جوّالة، ودائماً تحت الشعار الخادع: نذهب إلى التكفيريّين في عقر دارهم لنمنعهم من المجيء إلينا.

ومشكلتكم ليست بهذه البساطة: حرب إستباقيّة . المأزق هو مشروع مرجعيّتكم، تنفّذونه “حيث يجب”.

باتوا بين ظهرانيكم، بين الجلد والعظم، والخطر مفتوح. وها أنتم تخرجون بسلاحكم الثقيل إلى العلن، كما لم تفعلوا أبداً حين كنتم فعلاً مقاومة، ولستم مقتنعين بأنّكم حرّرتم مجالكم الحيوي من القصير إلى القلمون وضمنتم الحدود مع لبنان، وإلاّ لما بقيتم مستنفرين سرّاً وعلناً، ولما انغمستم في العمق السوري من اللاذقيّة إلى إدلب وحلب ودمشق وصولاً إلى مراقد العراق.

 وأنتم لا تطمئنّون كثيراً إلى حماية الأجهزة الأمنيّة الرسميّة من الضاحية إلى الهرمل، بل تتّجهون للحماية الذاتيّة الكاملة، وتضاعفون العتاد والعديد.

 تقضون على ما تبقّى من مضمون الدولة وشكلها، وتضعون أنفسكم في شدق المجهول.

وحين يخرج أمينكم العام قريباً للتفسير والتبرير والتنظير، ستدركون أنّ مأزقكم خطير، بعدما انكشفتم الانكشاف الأخير. والأفضل أن تسمعوا كلام أمينكم العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي،ولو مكرهين.

لعلّكم  تهتدون إلى قرار الخروج من المأزق، إذا وافقت مرجعيّتكم… وألهمها الفقيه.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل