#dfp #adsense

آذار يشهد التطوّر المنطقيّ نحو “رئيس للبنان حتماً

حجم الخط

بين تأكيد سعد الحريري أن “لا قيمة لقمّة لا يحضرها رئيس للبنان”
وبين معادلة الموقف العربي “لا رئيس لا قمّة”

آذار يشهد التطوّر المنطقيّ نحو “رئيس للبنان حتماً”

نصير الأسعد

 

في خطابه أمام الحشد المليونيّ الخميس الماضي، أعلن زعيم “تيّار المستقبل” سعد الحريري أن “لا قيمة لقمّة عربية لا يحضرها لبنان برئيسه”.


وفي إعلانه هذا، لا شك أن الحريري كان يعبّر عن قناعة إستقلالية لبنانية بأن الرئاسة في لبنان فضلاً عن كونها مسألةً دستورية، هي مسألةٌ تتّصل اتصالاً مباشراً بـ”الصيغة”، أي بوجود الكيان اللبناني على الخارطة. ولذلك اعتبر أن أي قمة عربية تنعقد بغياب لبنان، أي بغياب رئيسه، هي قمّة تكرّس واقعاً مرفوضاً، وهي مرفوضةٌ تالياً.


المعادلة العربية الآن: لا رئيس لا قمّة


بيدَ أن هذا الإعلان من جانب الحريري، سبقه وتلاه موقفٌ عربي يتّجه حثيثاً نحو تبنّي المعادلة الواضحة الآتية: لا رئيس في لبنان، لا قمّة عربية.. في دمشق التي تعطّل المسار الدستوري الديموقراطي وإنتخاب رئيس الجمهورية.
وعندما يكون الموقف العربي، أي موقف الدول الركنيّة في النظام العربي، على هذا النحو، فهو لا يساوي بين الرئاسة اللبنانية والقمّة العربية. هو يُعطي الأولوية للرئاسة في لبنان على القمّة إذ يعتبرها شرطاً لازماً لانعقاد القمّة. وهذا يثبت أن ليس اللبنانيون الاستقلاليون وحدهم يتعاطون مع الرئاسة بوصفها مسألة كيانية، بل النظام العربي يُشاطرهم هذه القناعة. والمبادرة العربية هي أصلاً ترجمةٌ لهذه القناعة، إذ لم تكتفِ تلك المبادرة بالمطالبة بإنتخاب رئيس الجمهورية فوراً، بل سمّت الرئيس الماروني المطلوب إنتخابه أي العماد ميشال سليمان. وكذلك، فإنّ النظام العربي الذي أعادت قمّة الرياض العام الماضي تحديد قواعده، والقائم على مبدأ العلاقات المتساوية بين دول مستقلة، يعتبر انّ ما يجري في لبنان من تعطيل للمؤسسات الدستورية، إنما هو “تحدّ” كبير لا يجوز الخضوع له.


النظام السوري: إحتمال أول هو الخضوع


بعد هذه المقدّمات، ثمّة سؤالٌ يُطرح: هل من شأنِ المعادلة التي يلتزمها الموقف العربي أي “لا رئيس في لبنان لا قمّة”، أن تدفع باتجاه أن يكون للبنان رئيسٌ قبل موعد القمّة في 29 آذار المقبل، أي هل تكون عاملاً ضاغطاً على النظام في سوريا كي يتوقّف عن تعطيل إنتخاب العماد سليمان قبل القمّة؟


في الجواب عن هذا السؤال، ثمّة إحتمالان.


الاحتمال الأول، هو أن “يفهم” النظام السوري مجموعةً من المعطيات. أن “يفهم” أنّ البديل من قمّة يحضرها الرئيس اللبناني هو عزلةٌ عربية تضاف إلى العزلة الدولية. وأن “يفهم” أنّ القمّة ليست مجالاً لـ”تفاوض” على لبنان.. وفي غيابه. وأن “يفهم” أنّ “فوق” لبنان مظلةً عربية ودولية ضدّ إلغائه. وأن يُظهر هذا النظامُ حرصه على إنعقاد القمّة “عنده”، أي أن يعطي الأولوية للقمّة على التعطيل في لبنان. وفي هذه الحالة، يكون الإحتمال الأول هو تراجع نظام الأسد عن تعطيل إنتخاب الرئيس اللبناني فيحضر العماد سليمان القمّة رئيساً منتخباً للبنان.


..وإحتمال ثانٍ: قلب الطاولة بالصلة مع المحكمة


أمّا الإحتمال الثاني، فيستند إلى ما سبق لمسؤولين في نظام دمشق أن صرّحوا به: “مصالح سوريا فوق القمّة”. ذلك انّه إذا “شعر” النظام السوري بأنّ أبواب “المساومة” سدّت في وجهه، فهو “قد” يلجأ إلى قلب الطاولة.
وفي إطار هذا الإحتمال الثاني، يلفتُ متابعون إلى أنّه “في حال” كانت القمّة مسبوقةً بتطوّر نوعيّ على مستوى المحكمة الدولية، فإنّ النظام السوري “الفاقد للأمل” قد يقدمُ على خطوات “دراماتيكية”. ذلك انّه، في حال تمّ الانتقالُ في آذار المقبل، إلى الإدعاء في إطار المحكمة الدولية التي باتت متشكّلةً وقيد الإنطلاق، لن يعود من مجال أمامه لـ”التفكير” بمساومة ما حول المحكمة. وأكثر من ذلك، قد يسعى وراء تفجير إقليمي كبير.


إحتمال ثالث: قطع التعطيل لاستئنافه لاحقاً
الإحتمالان السابقان متساويان “نظريّاً”.


غير انّ مراقبين يشيرون إلى إحتمال ثالث، يقولون إنّ “أصداء” و”تسريبات” تدعمه. وهذا الإحتمال الثالث هو أن “يقطع” النظام السوري التعطيل ظرفياً، فينتخب الرئيس اللبناني ليحضر القمّة، ثمّ يعاود التعطيل في شأن المسألة الحكومية. وبذلك يتجنّب النظام إلغاء القمّة و”العزل”، مستبقياً لنفسه “هامشاً” مِن المناورة والضغط على الوضع اللبناني.
وهذا الإحتمال واردُ “نظريّاً” أيضاً. غير أنّ عديدين يعتقدون أنّ تراجع النظام السوري عن تعطيل إنتخاب الرئيس اللبناني لن يمكّنه من “السيطرة” على التعطيل لاحقاً. ذلك أنّ إنتخاب رئيس الجمهورية يفتتح مرحلةً لبنانية جديدة ويطلق ديناميّات مختلفة لأنّ بلداً برئيس غير بلد بلا رئيس.. في نهاية المطاف.


إن إستعراض الاحتمالات لا يهدف الى ترجيح أحدها… وإن كان ثمة ميل دائم إلى الظن بالأسوأ عندما يتعلق الأمر بالنظام السوري.


في المقابل، إن استعراض الاحتمالات يهدف إلى تأكيد أنه بقدر ما تشكل الرئاسة مسألة دستوريّة ـ كيانيّة ـ مصيريّة بالنسبة الى الاستقلاليين اللبنانيين، فإنها تشكل ـ بالتعاطي العربي والدولي معها ـ ضغطاً على النظام السوريّ الذي يعتبرها ورقة من أوراق صراعه من أجل البقاء.
الموقف العربي ملتزم بلبنان وصيغته
على أن الأهم من كل ما سبق، يتعلق بـ”التفاعلات” المتوقعة للموقف العربي الملتزم الآن معادلة “لا رئيس في لبنان لا قمة عربية”.
بطبيعة الحال، سيكون موقف النظام السوري موضع مراقبة عربية، وستبني دول النظام العربي على “الشيء” مقتضاه.
لكن لن يكون من خارج السياق المنطقي للأمور أن يسلك الموقف العربي باتجاه أكثر تحديداً. من “لا رئيس لا قمة” إلى “رئيس للبنان مهما كانت الظروف”. من “لا رئيس لا قمة” الى “رئيس قبل القمة”.


فعندما يكون الموقف العربي “الرئيسي” متمسكاً بلبنان المستقل وبمؤسساته الدستورية، ومتمسكاً بالرئاسة المارونية للجمهورية اللبنانية المستقلة، قناعةً بلبنان وصيغته و”نموذجه” في المنطقة، يجب توقع تطوره باتجاه رفض إبقاء لبنان كياناً معلقاً، وباتجاه تأمين كل مقومات انتخاب الرئيس.. أي باتجاه “فرض” إنتخاب الرئيس.


“رئيس للبنان حتماً”


لا شك أنه من المبكر الحسم في الوجهة “الأخيرة” للموقف العربي. فلا تزال المبادرة العربية قائمة، والأمين العام للجامعة عمرو موسى يعود الى بيروت بعد غد، وثمة جلسة مقررة في السادس والعشرين من الجاري للمجلس النيابي.


غير ان آذار لن يبدأ الا في ظل صراع بين النظام العربي من جهة والنظام السوري من جهة أخرى خاصة إذا تم التأكد عبر الجولة الجديدة لعمرو موسى ان النظام السوري على حاله.. من التعطيل. وفي إطار هذا الصراع العربي ـ السوري، سيكون منطقياً تماماً أن ينتقل الموقف العربي من معادلة “لا رئيس لا قمة” إلى عنوان محدد “رئيس للبنان حتماً”.


ولذلك فإن أيام آذار المقبل ستشهد تطوراً لا بدّ من توقّعه أو أخذه في الحسبان، لأن لبنان لن يستمر بلا رئيس، ولن يستمر بلا مؤسسات دستورية.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل