#dfp #adsense

دمشق: خذ ثم أطلب أكثر

حجم الخط

اللعب على "الوقت الضائع" محدود وأوباما لن يقبل أن ينتهي 2009 بالفراغ والفشل
دمشق: خذ ثم أطلب أكثر

"جوائز الترضية"، مستمرة في الهطول على دمشق. ليس سهلاً هضم "العز بعد الفاقة" بسرعة ودون أعراض جانبية، أبرزها الشعور بالقوة وأخطرها الاستقواء على الآخرين. انعقاد مؤتمر الديبلوماسيين الفرنسيين في دول المشرق العربي في دمشق برئاسة وزير الخارجية برنار كوشنير "جائزة ترضية" جديدة لدمشق. اختيار العاصمة مقراً لهذا اللقاء الديبلوماسي الفرنسي، محسوب بعناية ودقة، وعلى قاعدة مسار ثابت للديبلوماسية الفرنسية طوال فترة سابقة وتحضيراً لمرحلة لاحقة.

الإدارة المريحة لدمشق

برنار كوشنير وزير الخارجية الفرنسي الذي لم يلحقه التعديل الوزاري العميق مما يؤكد ثباته في موقعه، يأتي إلى بيروت وليس لديه الكثير ليفعله أكثر من اللقاءات البروتوكولية والاستطلاعية. باختصار هذه الزيارة هي للتذكير بوجود باريس ومتابعتها للتطورات في لبنان. باريس هي التي "استقالت" عملياً من التأثير في الملف اللبناني رغم كل حركتها. باريس صاحبة الدور الفاعل والمؤثر في الملف اللبناني، أصبحت شبه غائبة بعد أن سلمت كل شيء لدمشق وإضافة الكثير من "رسائل" التهنئة والشكر.

ربما يعرف الوزير الفرنسي وإذا كان لا يعرف فإنّ "اصدقاء" له من اللبنانيين يمكنهم أن يشرحوا له ان إدارة دمشق لحضورها في الملف اللبناني حالياً، مريح جداً لها ومردوداته أكثر وأغنى. اكتشفت دمشق الصيغة المثلى لكي تصل في لبنان إلى ما تريد مع الكثير من الشكر وجوائز الترضية من عواصم دولية واقليمية مثل باريس. لو كانت قوى 8 آذار هي التي ربحت الانتخابات، لكانت دمشق حالياً محرجة من أي أزمة تقع في لبنان. الآن بعد فوز 14 آذار كل استدعاء لها سواء للتدخل العادي أو لطلب النجدة يشكل "فاتورة" لاحقة على الأطراف المعنية أن تدفعها فوراً. أي تأخير يعني زيادة في رفع الكلفة وبالتالي "الفوائد".

هذا الشعور بالربح وبإمكانية الربح أكثر، يجعل دمشق أكثر تمهلاً في حركتها سواء باتجاه لبنان والمساعدة على حلحلة الأمور أو حتى في الإنجاز، كل شيء قابل للتأجيل. المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية مجمّدة على وقع الأزمة الإيرانية الداخلية حتى إشعار آخر. هذا التأجيل يتيح لدمشق الحركة بحرية أكبر. لم تعد دمشق مضطرة "لدوزنة" حركتها على وقع "الحركة الإيرانية" حتى إشعار جديد. تستطيع دمشق أن "ترقص سولو" باتجاه واشنطن. أيضاً المفاوضات مع تل أبيب مؤجلة. أولاً لأن الثنائي بنيامين نتنياهو وافيغدور ليبرمان ليسا مَن يريد التفاوض للوصول إلى حل، وإنما يريدان المفاوضات للمفاوضات كما كانت دمشق "تبيع" مفاوضاتها بواسطة التركي للإيراني. وإذا ما قبلا بالتفاوض فالحل يكون بعد "تعرية" السوري، وهو ليس بالأمر المقبول. لكل شيء حدود، حتى ولو من أجل استعادة الجولان.

أمام هذا التجميد، دخل الوضع من جديد في مرحلة من "الوقت الضائع" الذي يجب تقطيعه بحركة دون بركة. لذلك نبتت فجأة قضية قره باخ وحاول الرئيس بشار الاسد أن "يبيع" للأرمن وللآذريين "وساطة" معلقة على شرط واجب وملزم وهو موقف طهران منها. هذه المشكلة تعتبر من الملفات الأساسية للأمن القومي الإيراني. ذلك ان غورني كاراباخ تقع على حدودها وأذربيجان متداخلة معها وأرمينيا على علاقات معها.

وساطة لتغطية "أدوار ومطالب"

لا أحد يعترض على "عروض" الوساطة الدمشقية، بالعكس كل عربي يتمنى أن يكبر أي بلد عربي في حضوره وفي دوره. المشكلة ان لا يكون هذا الدور تغطية لأدوار تهم المواطن العربي في حياته ومستقبله مثل لبنان. لعب دمشق على الوقت الضائع، فيه الكثير من المهارة والخبرة. الجديد في ذلك ان لبنان أو بالأحرى الرئيس المكلف النائب سعد الحريري، يستطيع في الوضع الحالي اللعب أيضاً على "الوقت الضائع" وتسجيل النقاط لمصلحة لبنان واللبنانيين.

دمشق تريد من خلال مشكلة تشكيل الحكومة اللبنانية استجلاب مزيد من العروض ورفع منسوب من المطالب. لذلك أرادت دمشق أن يزورها الرئيس المكلف سعد الحريري علماً أنها ستكون في شكلها زيارة شخصية وليست زيارة لرئيس السلطة التنفيذية لبحث الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية العالقة من موقع مسؤوليته الممثلة لكل اللبنانيين. ولذلك ايضاً يقال ان دمشق ستطلب ضمانات حول المحكمة الدولية الخاصة بلبنان.

في كل يوم جديد سيكون لدمشق مطلب جديد. دمشق تعتبر انها انتصرت بالضربة القاضية مع ان كل الوقائع تؤكد انها مثلما سجلت نقاطاً لها سجل في خانتها نقاط للآخرين. هذا التقدير الخاطئ يدفعها لتأكيد قاعدتها القديمة ـ الجديدة وهي: "خذ ثم أطلب أكثر". مشكلة دمشق انها لا تقبل بأن الآخرين من القوى سواء كان اللبنانيون أو السعوديون، يستطيعون اللعب على الوقت حالياً، لأن "اللعبة" لم تنته، بالكاد بدأت. الجميع أمام خيار المفاوضات عاجلاً أم آجلاً. الجمود هذه المرة ليس مفتوحاً. بالتحديد الرئيس باراك اوباما، لن ينتظر، إن أكثر ما يساعد الرئيس المكلف سعد الحريري على مواجهة لعبة دمشق، ليس امام الحريري دستورياً مهلة محددة لتشكيل الحكومة، يستطيع أن يبقى رئيساً مكلفاً يعمل على حلحلة الوضع وحل العقد فترة زمنية مفتوحة. لبنان مرّ في تجربة سابقة أيام الرئيس المكلف الشهيد رشيد كرامي. طبعاً الدفع سيكون مسبقاً من "كيس" اللبنانيين الذين يريدون قيام دولة لبنان القوية القادرة على جلب الاستثمارات لاستعادة ما فقدته في السنوات السابقة. المسؤولية كبيرة وهي بلا شك ستكون على المعطلين تحت أية صيغة تحصل. المطلوب أن تشكل الحكومة اللبنانية اليوم قبل الغد، خصوصاً أنه يوجد سقف لكل المطالب. كلما تأجل التأليف، المسؤولية ستكون أكبر على عاتق المعطلين.

الجميع أمام خيار المفاوضات عاجلاً أم آجلاً. الجمود ليس مفتوحاً إلى ما لا نهاية. بالتحديد الرئيس باراك اوباما، لن ينتظر أن تستمر المراهنة على إبقاء الوضع في منطقة الشرق الاوسط معلقاً أمام أبواب الجحيم. لدى أوباما أجندة مختلفة جداً. لا يمكنه أن ينهي عامه الأول وهو غارق في افغانستان بحيث تلوح من بعيد وكأنها ستتحوّل إلى "فيتنامه". وفي الوقت نفسه عاجز عن مواجهة مركز الصراعات في الشرق الأوسط والدفع باتجاه حله. لا يستطيع اوباما دخول الحملة الانتخابية للانتخابات الفرعية للكونغرس في العام المقبل وهو لا يملك شيئاً بين يده. الفراغ صنو الفشل.
قد يكون العام 2009 عاماً جديداً لتقطيع الوقت الضائع. لكن من المؤكد ان العام 2010 لن يكون حلقة جديدة من هذه السياسة. لكل عام خصوصيته. باراك اوباما ليس رئيساً لتقطيع الوقت وإنما هو رئيس للتغيير أي أنه رئيس للفعل.

المصدر:
المستقبل

خبر عاجل