
لما خرج الى الاعلام ليلتقي المستقبلين ويلقي كلمته، توقف البلد لساعة على الاقل عن الثرثرة، جلس البطريرك مار نصرالله بطرس صفير الى كرسيه في بكركي ينتظر ويستمع، لما رآه ابتسم، كمن يراقب جنى من يديه حان قطافه، 11 عاماً وهو يطالب باطلاق الاسير السياسي من أسره وبعودة المنفيين، كان ميشال عون عاد قبل نحو الشهرين، وكان جلاء جيش الاحتلال السوري انجز في نيسان، وبقي الكل في انتظار سمير جعجع. عقد البطريرك يديه وبوقار مخيف وجلس يستمع الى كلمة المحرر، كنا في غرفة الاخبار في الـ “LBC”، توقف الزمن، ما عدنا نلتفت الى ما يجري في العالم، صار العالم هنا في القاعة التي سيقف فيها سمير جعجع لنراه ونستمع الى ما انتظرناه أكثر من 11 عاماً.
وفجأة علت الاصوات، صرخ زميل “طلّ البطل طلّ” وخرج سمير جعجع الى الناس، لم يتبق أحد لم ينتظر تلك اللحظة، الاعداء قبل المناصرين، والاحتلال وعملاؤه قبل كل الناس. كانت النوايا متناقضة، من لا يحبه كان يأمل أن يغيب عن المشهد السياسي نهائياً وفي عتم الاعتقال، ومن أسره عاش أسوأ الازمات، ليس أزمة ضمير بطبيعة الحال، انما عودته الى الحياة والحياة السياسية عموماً، كانت بدأت تحفر لهؤلاء عودة كابوس ثقيل مزعج، في حين كانوا يتمنون له نهاية غير سعيدة على الاطلاق، لكن قدرة الله فاقت قدرة المجرمين.
خرج الى الناس قبّلهم عانقهم، قال لهم ما قاله “اخرجتموني من السجن الصغير وبالفعل ذاته…” كان نحيلاً ولم يكن ضعيفاً، حفر زمن الاعتقال عميقاً في الوجه الذي غارت فيه العيون والخدود، لكنه بقي ممتلئاً، معالم الثورة والكرامة كانت نافرة في نبرة الصوت وثبات النظرات وبقي منتصب القامة يمشي.
لما خرج لم نكن نعرف ما ينتظرنا، ولا كان أحد خطط للحظة واحدة بعد خروجه. وهو في الاعتقال، فعل الكل ما يجب أن يفعلوه لتبقى شعلة “القوات اللبنانية” مضاءة في وجه الاحتلال، وفي أيادي الاجيال كي يبقى في الوطن المحتل من يطالب بحق الحرية والاستقلال، “القوات مش شخص، من قبلي كان في قوات واستمروا وانا بالاعتقال ومن بعدي رح تبقى القوات” قال مرة لمحاورته. لكن ولحظة خروجه وقف المناضلون يستمعون، ما عادوا يريدون تنظيم ثوراتهم الصغيرة هناك وهنالك، ينتظرون من يعيد التنظيم الى صفوفهم، من يرسم لهم الدروب ويخطط مستقبل الايام الآتية وهم يشاركون في كل شيء، كانوا يريدونه أن يعود ليعود القرار الكبير مع الرجل الكبير.
لما خرج ولما رأينا وجهه من غياب أكثر من 11 عاماً، كأن الزمن توقف في تلك اللحظة، كأنه وقف لينظر اليه ويستفسره أين كان وعما يريد وما سيفعل، كأنه وقف ليتفرّس في الوجه النحيل يسأله “هل ستنتقم من أعدائك الذين تسببوا بتغييبك عن معالم الحياة فوق الارض والصقوا بك عار تهم تليق فقط بالوحوش وليس بالبشر وكيف ستنتقم؟”. لم يعرف الزمن في تلك اللحظة، ولا عرفنا نحن بطبيعة الحال، ان الرجل الذي استقبلناه محرراً من الاعتقال، كان يرسم خارطة مغايرة تماما لما توقعه الجميع، وأولهم المجرمون اياهم الذين اعتقلوه واضطهدوه والصقوا به ما الصقوه من تهم باطلة، كل تلك الافكار في الدقائق التي القى بها خطاب عودته الى الحرية، وان كانت الحرية هنا نسبية بنظره اذ ان أصوات الشباب الذين عُذبوا عمدا على مسامعه كانت هي سجنه الكبير، بعدما حول الزنزانة الى واحة حرية قل نظيرها.
لما رأيت الوجه النحيل يوم تحريره وسمعت نبرة الصوت العابر لـ 11 عاماً من النضال، عرفت ان تعب الشباب لم يذهب هدراً، وان قوة الايمان لا تذهب هدراً، وان الوطن ليست ارضا وحسب انما مزيج من كل شيء متعب مرهق مضني لذيذ، ونضال لا يتوقف والا لما عاد سمير جعجع الى الحرية، ولما حصل ما حصل في “القوات” معه. كنا مناضلين وصرنا عائلة كبيرة في مؤسسة بحجم وطن لاجل الوطن، كان معتقلاً وصار من ابرز المرشحين لرئاسة الجمهورية… وان كان تحرر لكنه عملياً هو أسير حب هذا الوطن…
