#dfp #adsense

الطعون الانتخابية بين النص والسياسة

حجم الخط

الطعون الانتخابية بين النص والسياسة
المحامي جورج ابو صعب

مع انقضاء الساعات الاخيرة قبل اقفال مهلة تقديم الطعون الانتخابية المحددة قانونا بثلاثين يوما تلي تاريخ اعلان نتائج الانتخابات – وتوافد الطاعنين الى المجلس الدستوري لتقديم ملفات طعونهم – نرى من المفيد القاء الضوء على ماهية الطعن وصلاحيات المجلس الدستوري – وصولا الى استخلاص بعض الملاحظات الدستورية والسياسية التي لا بد منها لانارة الرأي العام .

اولا : ان المجلس الدستوري صاحب الولاية الالزامية للبت والفصل بالطعون الانتخابية – وفي ذلك ضمانة دستورية وقانونية لشفافية وموضوعية القضاء الفاصل في ادق واصعب انواع الطعون التي يغلب عليها الطابع السياسي اكثر من اي طابع – ولو قانوني او دستوري القالب .

وقد أنشأت المادة (19) من الدستور اللبناني المجلس الدستوري وحددت له الصلاحيات التي من ضمنها البت في النزاعات والطعون الناشئة عن الانتخابات الرئاسية والنيابية .

ثانيا : ان الطعن لا يقدم الا من المرشح الخاسر – كما ان الطعن المقدم لا يوقف نتائج الانتخابات المعلنة بحيث يبقى النائب الفائز نائبا بكامل صلاحياته القانونية والدستورية الى حين اعلان بطلان نيابته بقرار المجلس الدستوري .

ويبدا النائب قانونا ودستوريا بممارسة جميع حقوقه النيابية منذ اعلان نتيجة الانتخابات من وزارة الداخلية او الهيئة المشرفة على الانتخابات بحسب الاحوال .

ثالثا : تسري على اعمال المجلس الدستوري الناظر في الطعون الانتخابية المقدمة قاعدة الوجاهية والثنائية LE DUALISME DE FORME بحيث يتوجه ابلاغ الطعن ( والقانون يسميه تقنيا الاعتراض ) الى النائب المطعون بصحة نيابته الذي له حق الرد والتعليق على الاعتراض ومستنداته في خلال مهلة (15) يوما من تاريخ تبليغه – بحيث يحق له تقديم ملاحظاته ودفاعه مع المستندات والادلة التي في حوزته .

رابعا : يتولى احد اعضاء المجلس المكلف من رئيسه اجراء التحقيقات المناسبة وله من أجل قيامه بمهامه اوسع الصلاحيات اسوة بقاضي تحقيق – بحيث يحق له حتى طلب المستندات الرسمية وغيرها من المراجع الرسمية ولا سيما وزارة الداخلية – التي تتولى حكما تزويد المجلس بجميع المحاضر والمستندات والمعلومات المتوافرة لديها لتمكين المجلس من القيام بمهامه واجراء ما يلزم من تحقيقات – بالاضافة الى صلاحيات العضو المقرر في في الاستماع الى الشهود واستدعاء من يراه مناسبا لاستجوابه حول ظروف الطعن او الاعتراض .
لكن لا يحق للعضو المقرر ولا للمجلس الدستوري اصدار مذكرات توقيف .

خامسا : بعد انجاز مهامه (والقانون يحدد للعضو المقرر مهلة ثلاثة اشهر لوضع تقريره بنهاية تحقيقاته من تاريخ تكليفه ) يحيل العضو المنتدب الى رئاسة المجلس الدستوري تقريره – فيلتئم المجلس الدستوري بعد ورود التقرير فورا ويتذاكر في الاعتراض او الطعن المقدم – ويبقى المجلس في حالة انعقاد دائم وجلساته مفتوحة لحين صدور القرار على ان لا تتعدى مهلة صدور القرار الشهر الواحد من تاريخ ورود التقرير الى رئاسة المجلس .

اي ان مهلة بت وفصل المجلس الدستوري بالطعون والاعتراضات الانتخابية يجب ان لا تتجاوز في مطلق الاحوال الاشهر الاربعة من تاريخ تقديم الطعن او الاعتراض .

سادسا : القرار الذي يصدره المجلس الدستوري يكون وفق الحالات التالية :

1- اما يقرر صحة النيابة المطعون فيها – وبالتالي ينتهي الطعن او الاعتراض عند هذا الحد من دون امكانية استئناف او تمييز او اي طعن بالقرار – فتثبت نيابة النائب المطعون بنيابته ويستمر في ولايته حتى اخرها .

2- واما يقرر عدم صحة النيابة المطعون فيها وفي هذه الحالة يحق للمجلس :

أ- اما الغاء نتيجة المرشح المطعون في نيابته وابطال نيابته وتصحيح النتيجة واعلان فوز المرشح الفائز على أغلبية الاصوات والشروط التي تؤهله للنيابة (كما يقول القانون ) فتسقط فورا عن المرشح المطعون بنيابته صفة النائب ويصبح المعلن فوزه من المجلس الدستوري النائب البديل عن المبطلة نيابته .

ب- واما ابطال نيابة المطعون بصحة نيابته وفرض اعادة الانتخاب – اي اعادة العملية الانتخابية على المقعد موضوع الطعن – والذي يصبح خاليا بنتيجة قرار الابطال لان الصفة النيابية تسقط حكما وفورا من النائب المطعون بصحة نيابته بقرار المجلس الدستوري – وبالتالي يبلغ المجلس القرار الى كل من رئيس مجلس النواب ووزارة الداخلية واصحاب العلاقة – وتبدأ وزارة الداخلية بالاعداد لاعادة العملية الانتخابية عندما يبطل المجلس الدستوري نيابة مرشح وتفرض اعادة الانتخاب على المقعد الشاغر .

مع الاشارة الى ان اي قرار يتخذه المجلس الدستوري يجب ان يبلغ الى رئاسة الجمهورية ورئاسة مجلس النواب ووزير الداخلية والمستدعي في كل الاحوال بالطرق الادارية .

والملاحظ ان القانون يستعمل عبارة (وفرض ) اي ان المجلس الدستوري بموجب القانون له ولاية الزامية على السلطات الرسمية ولا سيما السلطة التنفيذية الممثلة بوزارة الداخلية – بحيث لا يمكن الركون الى استنساب الادارة والوزارة في اجراء او عدم اجراء انتخابات فرعية على المقعد الشاغر – بل تصبح وزراة الداخلية ومعها الحكومة والسلطة التنفيذية وسائر السلطات في البلاد ملزمة بقرار المجلس الدستوري.

وهذه الصلاحية السامية والالزامية والملزمة هي التي ترفع المجلس الدستوري الى مستوى السلطة الدستورية العليا في البلاد والنظام لتقرير مصير الانتخابات وبالتالي تشكيل السلطات واولها السلطة التشريعية التي هي مصدر كل السلطات – ما يعني تمتع المجلس الدستوري بسلطة تأسيسية تفوق سلطة ام السلطات ومصدر السلطات – اي مجلس النواب – وقد عدل قانون انشاء المجلس الدستوري (القانون رقم 250 لسنة 1993 المعدل بالقانون رقم 150 لسنة 1999 م ) نص المادة (30) من الدستور التي كانت تنيط بالمجلس النيابي – وتحديدا بالنواب وحدهم – حق الفصل في صحة نيابتهم بغالبية الثلثين من مجموع الاعضاء – الا ان القانون رقم (250) اسقط هذه الصلاحية الدستورية عن المجلس النيابي ونواب الامة – ليحل مكانه هذه السلطة الدستورية العليا التي تعلو حتى على مجلس النواب في تقرير مصير تشكيله وصحة او عدم صحة ولاية ونيابة اعضائه .

سابعا : قرارات المجلس الدستوري مبرمة وغير قابلة لاي طريق من طرق المراجعة ( استئناف – تمييز او نقض – اعادة محاكمة – اعتراض الغير…)
ما يعطي ايضا قرارات المجلس واحكامه وبالتالي سلطاته – صلاحية ملزمة على الجميع وقوة القضية المحكوم بها – تجاه الكل من سلطات عامة ومراجع قضائية وادارية ودستورية أخرى – علما ان قرارات المجلس تنشر ايضا في الجريدة الرسمية للجمهورية اللبنانية .

كما ان القرارات الصادرة عن المجلس الدستوري تكون دائما معللة ومسببة : اي انها تشير الى الاوراق التي تضمنها ملف الطعن – وحيثيات القرار سواء القانونية او الواقعية التي أدت الى القرار – بالاضافة الى ذكر النصوص الدستورية والقانونية او المبادئ العامة الدستورية المعتمدة في القرارات .

فانطلاقا من مجمل هذه الملاحظات نرى ان الطعون الانتخابية التي قدمت من المرشحين الخاسرين يجب ان تكون على جانب كبير من الجدية والثبوت – لان المجلس الدستوري لديه من الصلاحيات والسلطة الدستورية والقانونية – ما يجعله قادرا على تغيير معادلات سياسية كثيرة واعادة تشكيل كل أو جزء من المجلس النيابي الجديد المنتخب – لذلك فان الطعون التي قدمت لا يمكن ان يؤخذ بها من قبل المجلس الدستوري الا متى تضمنت ادلة واثباتات واضحة ودامغة بحصول او تحقق اسباب الطعن – والا يكون المرشح الطاعن – قد اهدر وقت المجلس وساهم في بلبلة الاجواء السياسية – فالطعن الانتخابي وسيلة احقاق الحق لا وسيلة ضغط سياسي – فحذار من التلاعب بالمؤسسات الدستورية واولها في المرحلة المقبلة وطوال اربعة اشهر – المجلس الدستوري .

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل