
أنعم علينا الرب، أن نكون اولاد هذا الشرق – مهد الحضارة الإنسانية – الارض التي شهدت على التطور العقلي، الثقافي، العلمي والادبي للإنسان. إنه الشرق الذي احتضن وتبنى المسيحية على أيدي التلاميذ ومن اللحظة الأولى للبشارة، لأنه إنعكاس ثقافي حضاري للرسالة المسيح.
اذا استعرضنا وضع المسيحيين في الشرق منذ فجر المسيحية حتى يومنا هذا، نرى انه لم يهنأ لهم العيش بطمأنينة وسلام وأمن الا في القرنين الاولين للمسيحية. بعد ذلك ستؤدي عدة تطورات دراماتيكية الى تدهور وضعهم ليسلكوا مسيرة الجلجلة التي ما زالت حتى اليوم، وابرز هذه التطورات، وصول السلالة الساسانية الى الحكم في الامبراطورية الفارسية، وبعدها اعلان الامبراطور قسطنطين الديانة المسيحية كديانة للدولة الرومانية العدو التاريخي للفرس في الشرق. بذلك اصبح كل مسيحي يعيش ضمن حدود الامبراطورية الساسانية الشرقية هو عدو سياسي وديني لها.
اول اضطهاد ممنهج من قبل الدولة بحق المسيحيين في الشرق كان على ايام الملك الساساني شابور الثاني، ذهب ضحيته 100 عضو في الاكليرس التابع لكنيسة المشرق بالاضافة الى 150 الف شهيد مسيحي لأنهم جاهروا بمسيحيتهم. كان الاضطهاد الشابوري الساساني باكورة عمليات الاضطهاد التي لحقت بالمسيحيين من بعدها، تارة يضطهدم دكتاتور متعطش للسلطة والحرب والقتل وتارة تهاجمهم جماعات ارهابية متوحشة. ولكن النبض التاريخي للثقافة المسيحية التي جبلها السكان الاصليين لهذا الشرق بقي يخفق: مواجهة وشهادة ومقاومة.
إن روح المقاومة لدى المسيحيين دفعت بهم للتحصن بالجبال الوعرة، هذه كانت حال الموارنة مثلا في قاديشا وجبال لبنان، وحال ابناء كنيسة المشرق الذين لجأوا الى جبال هكاري ( تركيا حاليا)، كانت الجبال سلاحهم للمحافظة على مسيحيتهم وهويتم ووجودهم، كانت سلاحهم في المقاومة والمواجهة. كانت الجبال سلاحهم للدفاع عن الرسالة المسيحية في هذا الشرق.
نقف اليوم كمسيحيين في هذا الشرق، امام سؤال واضح وصريح، ما هو السياق التاريخي المسيحي لنتصرف من خلاله؟
من سيرة الآباء الاوائل والقديسين، نستمد الجواب الصارخ:
الصمود، المقاومة والشهادة
إن الأديرة والمغاور المحفورة في الجبال والوديان، من وادي قاديشا الى جبال هكاري، دليل على روح الصمود والمواجهة والمقاومة. هذه هي شخصية الآباء والاجداد.
بهذه الروح استنهض البطريرك مار بنيامين شمعون الشعب الآشوري في هكاري واورميه لمواجهة ومقاومة الجهاد الديني المعلن عليهم من قبل الاتراك العثمانيين والميليشيات الكردية، وبهذه الروح تسلّح الموارنة وبطريركهم في لبنان وأقاموا دولة لبنان الكبير، وبهذه الروح امتزجت دماء الآشوريين مع دماء المسيحيين في لبنان للدفاع عن المسار التاريخي المسيحي في هذا الشرق اثناء الحرب اللبنانية.
أيها المسيحيون، يطل علينا اليوم عبر الشاشات ومواقع التواصل الاجتماعي الكثير من المسيحيين الذين يدّعون الخوف على المصالح المسيحية في هذا الشرق، ويستطردون ويستميتون في الدفاع عن المسيحيين ضد الخطر الداعشي والتطرف الاسلامي. كل هذه الاستماتة في الظاهر هي للدفاع عن المسيحيين اما في الجوهر هي للدفاع عن عرش الدكتاتوريات في هذا الشرق. من يدافع عن المسيحيين هو خيارهم التاريخي بالمواجهة والمقاومة.
اكثر آية كررها المسيح هي : “لا تخافوا”.
اكثر آية احبها آباؤنا وأجدادنا هي: “لا تخافوا”.
هذا هو خيارنا التاريخي ووصية المسيح لنا.
لا لن نخاف وسنواجه الباطل بالحق، لن نترك ارضنا وشرقنا، لن نرضى ان نكون اقلية عددية بل قيمة نوعية حضارية ثقافية. لن نرضى ان نختار بين التطرف الديني والدكتاتورية، بوصية سيدنا يسوع المسيح سنعبّد درب مقاومتنا لكل ما هو باطل في هذا الشرق وننتصر لكل ما هو حق في هذا الشرق.