في الوقت الذي يُسدّد ضباط وعناصر الجيش من لحمهم الحي ثمن سقوط الخطوط الحمراء بين عرسال ومحيطها، وفي الوقت الذي يسقط هؤلاء بين شهيدٍ وجريح حتى لا تتحوّل المواجهة مباشرةً بين عرسال ومحيطها فتصبح فتنةً جامحة، وفي الوقت الذي يخوض فيه هؤلاء معارك شرسة على امتداد سلسلةٍ جبليةٍ وعرة تتداخل فيها الحدود غير المُرسّمة بين لبنان وسوريا من جهة، وبين “حزب الله” والمعارضة السورية من جهةٍ ثانية، وفي الوقت الذي اخفق “حزب الله” حيث نجح الجيش حتى الآن برغم الخسائر الكبيرة….
في الوقت الذي يجري ذلك كلّه، ثمّة من يجلس في ظلمة الكواليس، “يفرفك” بيديه وهو يُتابع هذه المشاهد البطولية او التراجيدية، محاولاً تسييل تضحيات العسكريين خدمةً لمصالحه الخاصة.
الجالسون في ظلمة الكواليس كثرٌ هذه الأيام، ولكلٍ منهم اجندته الخاصة، حتى ولو تقاطعت الأجندات المختلفة عند ضرورة استثمار دماء الأبطال العسكريين.
في ظلمة الكواليس من يحاول تسييل بطولات العسكريين في صناديق انتخابات الرئاسة، ومنهم من يريدها لزيادة رصيده الشعبي الإنتخابي، وآخرون يريدونها حرباً بالوكالة عبر الحدود اللبنانية تلاقي الحروب التي تدور من الجهة الثانية للحدود، ومنهم من يريدها حرباً تحت شعار “من ساواك بنفسه ما ظلمك”، فيضع المسيحيين في الواجهة المباشرة للحرب المذهبية السنية – الشيعية، ويجعلهم متاريس متقدّمة عُرضة للإستهداف الإنتحاري المباشر.
في العام 1989، وبالتحديد في خضّم “حرب التحرير”، بثّت إذاعة اسرائيل ما يلي:
“إن صدام حسين مُستعدٌّ لمحاربة نظام الأسد حتى آخر جندي مسيحي”!! ثمّة من يريد في هذه الأيام دعم نظام الأسد او تحقيق مصالح ذاتية، وإنما حتى آخر جندي لبناني، وآخر مواطن مسيحي.
بالرغم من كل المحاذير والتحذيرات، لم يتورع “حزب الله” عن إرسال الآلاف من مقاتليه الى سوريا والعراق. وما دام “حزب الله” يخرق الحدود والسيادة اللبنانية على مدار الساعة، وما دام يضرب بعرض الحائط آحادية السلاح الشرعي وسلطة المؤسسات الشرعية، وما دام يحتفظ بسلاحٍ موازٍ لسلاح المؤسسات الشرعية وما دام يتحرك عسكرياً وامنياً في لبنان حيث يشاء وكيفما يشاء دون حسيبٍ او رقيب، فلماذا لم يُكمل “معروفه” ويُفرج عن عشرات الآف الصواريخ “الموضّبة” في مخازنه منذ الـ 1701 ليضعها بتصرف الجيش، عوض الانتظار ايامٍ واسابيع حتى وصول المساعدات اللوجستية السعودية والأميركية والفرنسية؟
البطولة التي يُسطرّها العسكريون في عرسال اليوم تسعى الى معالجة النتيجة او ربما جزءاً من المشكلة، ولكن ليس السبب ولا المشكلة كلها.
طالما ان المشكلة قائمة فإن نتائج هذه المشكلة ستطفو بين الحين والآخر، ونزيف الدم الشرعي سيسيل كل حين!
اولئك الذين يُطبلون ويُزمّرون للقوى الشرعية اللبنانية اليوم، هل يُعيدون فعلتهم في ما لو قررت هذه القوى اقتحام بعض المعاقل لجلب الإرهابيين الآخرين المتهمين باغتيال الرئيس رفيق الحريري وشهداء ثورة الأرز الباقين؟
قوى “14 آذار” اعلنت من دون تردد وقوفها الى جانب القوى العسكرية الشرعية في كل الظروف والفصول: من معارك نهر البارد يوم قال السيد حسن نصرالله “إن المخيّم خط أحمر”، مروراً بمسألة عبرا، والخطة الأمنية في طرابلس، وصولاً الى جرود عرسال/القلمون اليوم.
امّا المُطبّلون والمُزمّرون إياهم، فإن دعمهم الموسمي للمؤسسة العسكرية، وقف عند حدود نهر البارد، وحدود الشيّاح، وحدود سُجد حيث اغتيل النقيب الطيّار سامر حنا، وحدود 7 ايار وحدود جريمتي اغتيال النقيب وسام عيد واللواء وسام الحسن….
المضُحك المبكي في الأمر أن هؤلاء المطبّلين الذين يذرفون دموع التماسيح بغزارة على تضحيات الجيش، لا يتورّعون، خدمةً لمصالحهم السياسية والإنتخابية، عن فبركة اشرطة فيديو تؤدي الى ضرب معنويات الجيش ورفع معنويات “النصرة” و”داعش” وفصائل التكفير مجتمعة!!! لسانهم مع الجيش…وشائعاتهم عليه!
المُطبّلون إياهم يتباكون على خطر التكفيريين، مع انهم كانوا السبّاقين الى النفخ في بوق التكفيريين من خلال ضرب رموز الإعتدال السنّي، واخراجها من السلطة ومن لبنان ايضاً.
المطلوب اليوم الاّ تقف العمليات العسكرية الشرعية التي يخوضها العسكريون اللبنانيون عند تخوم جرود عرسال/القلمون، وإنما ان تتمدد لتشمل كل شبرٍ من مساحة الـ 10452.
المطلوب ان تُرسّم الحدود بين لبنان وسوريا، وان تُقفل جميع المعابر غير الشرعية، وان يُحظّر تنقل المسلحين بالإتجاهين، حتى ولو تطلب ذلك مؤازرةً دولية.
المطلوب ان يعالج بيت الداء الكامن في تفلت السلاح غير الشرعي، وان يسود السلاح الشرعي وحده دون سواه.
المطلوب ان يكون الجميع في لبنان عُزلاّ من السلاح، وان تتولى القوى الشرعية وحدها حماية الشعب والأرض والمؤسسات…