ما أشبه اليوم بالبارحة محاصرة الحريري قبل الدخول إلى السرايا
أيّاً تكن الجهود المبذولة، فإن تشكيل الحكومة تأخر، ولا يصح القول إن الحكومة السابقة تأخر تشكيلها اثنان وخمسون يوماً، ليُقال اليوم إننا ما زلنا في فترة السماح المقبولة، فالحكومة السابقة لم تكن تنطلق من مجلس نواب جديد بل من أزمة في العلاقة بين مجلس النواب والذين يشكِّلون الحكومة، وكانت البلاد خارجة من 7 أيار وليس من 7 حزيران، وكانت المعارضة تعتبر أن الأكثرية القائمة في مجلس النواب هي أكثرية (وهمية)، وكان اتفاق الدوحة هو الذي يُشكِّل الحكومة، لمرةٍ أولى وأخيرة.
اليوم اختلفت الأمور، مجلس نواب منتخب وفق قانون طالبت به المعارضة ووافقت عليه قوى 14 آذار، أكثرية حقيقية لا تشوبها شائبة ولا تستطيع المعارضة أن تصفها بالوهمية، مفاعيل اتفاق الدوحة انتهت وبات محكوماً على الجميع العودة إلى الدستور للعمل ببنوده وليس بأي شيء آخر.
إذاً أين تكمن العقدة؟
المشكلة الحقيقية أن المعارضة تتعاطى مع تشكيل الحكومة وكأنها عائدة من 7 أيار وليس من 7 حزيران، وكأن الإنتخابات النيابية لم تَجرِ واستطراداً لا تريد أن تعترف بنتائجها، وبالإمكان إجراء مقارنة بين ما يجري اليوم وما جرى منذ ثلاثة أعوام:
المعارضة كأنها تحاصر الرئيس المكلَّف باعتصامات (سياسية وليست شعبية هذه المرة) بغية أرغامه على القبول بالثلث المعطِّل، تماماً كما فعلت مع الرئيس فؤاد السنيورة حين حاصرته في السرايا من أجل دفعه إلى القبول بمطالبها.
* * *
هذه هي الصورة ولا شيء تغيَّر، لكن ما فات المعارضة ان الرئيس المكلف سعد الحريري ليس أقل صلابة من الرئيس فؤاد السنيورة، فالإعتذار عنده غير وارد وهو سيبقى يحاول ويبذل الجهود بغية تشكيل حكومة تُرضي الناس أولاً قبل أن تُرضي السياسيين، وتنال ثقة الناس أولاً قبل أن تنال ثقة مجلس النواب، ويكون بيانها الوزاري قائم على المشاريع والبرامج التي تُحقّق آمال وطموحات أربعة ملايين لبناني وليس أربعمئة سياسي.
مثل هذه الحكومة تستحق أن تُبذَل الجهود في شأن تشكيلها، وتستحق من الرئيس المكلَّف أن يثبت على مواقفه وأن لا يرضخ لأي ابتزاز، وحين ستكتشف المعارضة أن ضغوطاتها لن تُجدي نفعاً، ستكون حكماً تحت ضغط الرأي العام ما سيدفعها للقبول بما كان يجب أن تقبل به من اليوم الأول لإستشارات التأليف.