
عندما تعجز اليدان والرجلان عن الإتيان بحركة جسدية، قد تفي الوجنتان أحيانا بالغرض. كيف؟ بإرادة قوية وإيمان كبير بمشيئة الله. عاملان حفزا “ماري خوري” على تغيير وجه إعاقتها إلى الأبد.
صحيح أن رصاصة حاقدة إبان حرب الجبل الأخيرة أقعدت ماري خوري على كرسي متحرك إلى الأبد ولكنها لم تفلح في ثني شابة الثمانية عشر ربيعا عن الإنتاجية. هي أصيبت آنذاك بشلل رباعي شلها عن القيام بأي حركة جسدية فالشابة لا تحرك يداها ولا رجلاها ولا حتى أناملها !
رغم ذلك ماري اليوم رسامة. هي حاربت بريشة الفنانة وبمخيلة خصبة شلّل يديها ورجليها لتغرّد خارج سرب الإعاقة فتحلق موهبة فنية في سماء الإبداع والإنتاجية. بعض ريش التلوين و”مسند ذراعي” (Atelle)
… وخذ من ماري لوحات تدهش الناظر إليها!
مجلد للذكرى والذاكرة
عدّة رسم الفنانة المقعدة متواضعة أما محترفها الفني فيختزل في غرفة صغيرة تسكنها في معهد المعوقين في بيت شباب. هي نفسها غرفة نوم ماري. هناك تفرغ الرسامة ما يختلج في داخلها من مشاعر حب لوطنها لبنان في لوحات تختصر الطبيعة اللبنانية الخلابة بجبالها وسهولها وبحرها الأزرق. هي لا تحرّك أناملها أبدا بل تستعين للغاية بمسند ذراعي تلصقه بوجنتها فتحركه يمينا ويسارا وفق الخط أو الجهة التي ترسم بها سواء كانت أفقية أم عمودية. طبعا فن الرسم يتطلب دقة كبيرة لا تنقص الرسامة أبدا: عيناها جاحظتان دوما على الرسومات التي تنجزها. هي أطلقت العنان أيضا لإبداع الروح وموهبة الفكر لديها. إبداع فني تجلى في رسومات عديدة مستقاة من اليوميات الحياتية لتقع ناظراك على لوحة تجسّد الفقر وبشاعته وأخرى تحاكي الأمومة في عيدها وثالثة مستقاة من التراث اللبناني… وتصادف أيضا لوحة تجسّد امرأة تخبز على التنّور وغيرها من الرسومات المائية، على جماليتها.
الألوان: فسحة سلام
في جعبة الرسامة المقعدة أكثر من مئتي لوحة فنية تختزل فن أنامل رسمت بحس نفسي كبير قد لا يعتري أي “رسام سليم”. كيف لا. تؤكد الرسامة المأخوذة بوضع اللمسات الأخيرة على قرميد منزل لبناني قديم: “عندما أرسم تنبعث فسحة سكون وهدوء من قرارة نفسي. أشعر بسلام داخلي كبير يجعلني في حال انخطاف عن العالم الخارجي لأتفرّغ للرسم فقط. فالألوان على تنوّعها تضفي سلاما داخليا للناظر إليها” تقول ماري.
صاحبة الإرادة الحديدية واجهت لحظات يأس وإحباط كثيرة سيّما بعيد إصابتها بالشلل ولكنها تغلبت على إعاقتها لتحيلها اليوم إلى غياهب النسيان. وحده الإيمان بالخالق سبحانه وتعالى وحب الحياة بأدق تفاصيلها جعلا الرسامة الهادئة تحب الحياة “مع الله” عندها تكون مليئة بالفرح والسلام. “الحياة لا تتوقف عند يد أو رجل”! تقول ماري قبل أن تضيف: “الإنسان إذا فقد أحد أعضاء جسده لا يجب أن ييأس لأن الحياة أثمن بكثير من ذلك والله وهبنا قدرات كثيرة وبديلة يمكننا استخدامها للتغلب على إعاقتنا الجسدية قد يكون من أبرزها العقل الحكيم والإيمان القوي. على الإنسان المقعد التمتع بالاستقلالية التي تجعله يجد لذة أكبر في الحياة.
أما حلم الفنانة المقعدة فيكمن في إنشاء معرض فني يضم ما أبدعته أناملها من لوحات. حلم كاد أن يتحوّل إلى حقيقة لولا بدء اعتصام المعارضة العام المنصرم على حدّ قولها. هي كانت قد وزّعت بطاقات الدعوة وأنجزت التحضيرات كافة. ولكنها عادت وألغت كل شيء. أما اليوم فتأمل ماري بتحسّن الأوضاع الاقتصادية والأمنية كي تفتح أبواب معرضها أمام محبي الفن لتتمكن من تسويق رسوماتها والعيش ببلد آمن، بلد يحترم المعوّق وحقوقه.