#adsense

بالصورة – مطر في قدّاس على نيّة فرنسا‏: حرب “داعش” ضد الحضارة ومعنى التاريخ

حجم الخط

صلّت أبرشيّة بيروت المارونيّة على نيّة فرنسا إحياءً لتقليد عمره أكثر من قرن ونصف قرن، في القداس السنوي الذي أقيم، ظهر الجمعة، في كنيسة السيدة في المقر الصيفي لمطرانية بيروت في عين سعاده والذي ترأسه رئيس أساقفة بيروت للموارنة المطران بولس مطر وعاونه فيه النائب العام للأبرشيّة المونسنيور جوزف مرهج والنائب الأسقفي للشؤون الإداريّة والماليّة المونسنيور بولس عبد الساتر والأبوان شربل مسعد وجان الشماس، وشارك فيه إلى القائم بأعمال السفارة الفرنسيّة في لبنان السيد جيروم كوشار وأركان السفارة،النواب السادة: الشيخ نديم الجميل والدكتور سليم سلهب والدكتور ناجي غاريوس و فؤاد السعد وإبراهيم كنعان وغسان مخيبر وآلان عون وحكمت ديبورئيس المؤسسة المارونيّة للإنتشار الوزير السابق ميشال إدهورئيس المجلس العام الماروني الوزير السابق وديع الخازن ورئيس الرابطة المارونيّة الأمير سمير أبي اللمع والوزراء السابقون الشيخ ميشال الخوري وروجيه ديب وإبراهيم الضاهر وسفير لبنان في الأونيسكو الدكتور خليل كرم والأمين العام للجنة لوطنيّة للحوار المسيحي الإسلامي الأمير حارس شهاب وشخصيات سياسية وقضائية ونقابيّة وإجتماعيّة.

وبعد الإنجيل المقدّس ألقى المطران مطر عظة روحيّة تحدّث فيها عن علاقة يسوع المسيح بأمه مريم العذراء وعلاقة المؤمنين  ولبنان بها، وقال:

نحتفل اليوم بعيد من أحبِّ الأعياد الى قلوبنا كمؤمنين: انه عيد انتقال العذراء مريم، بالروح والجسد، الى ملكوت السماء. هذه الأم الحنون، أمنا جميعًا، تذكرنا، في هذه الظروف الصعبة التي يجتازها عدد من البلدان، أننا كلنا أبناء لها، وبالتالي أخوة لبعضنا البعض.

ما عسانا نقول عن هذه «الأخوَّة» أمام تفجُّر الحقد والجنون الذي يجتاح العالم ولا سيما منطقة الشرق الأوسط؟ وقد طاولت أرجل الأخطبوط أيضًا صرحنا اللبناني. لقد ظننا، ببساطة، أن بإمكاننا النجاة من سمومه القاتلة، وإذْ بنا نغوص في متاهة هذا الجنون المدمِّر الذي تعجز عن وصف فظاعته الكلمات.

حين زار البابا القديس يوحنا بولس الثاني بلادكم النبيلة، يا سعادة القائم بالأعمال، قال أنَّ الأخوَّة، كما الحرية والمساواة، هي فكرة مسيحية. وبالفعل فإن للأخوَّة في الإنجيل مكانة مركزية: «أحبوا بعضكم بعضًا كما أنا أحببتكم».

عن الأخوَّة يقول البابا فرنسيس أنها «الأساس والطريق الى السلام، ويذكِّر بأن التربية عليها تبدأ من العائلة، بفضل الأدوار المسؤولة والمتكاملة لكل افرادها، وبخاصة الوالد والوالدة.

فبالأخوَّة نتجاوز الانتماءات وتعيش الأبعاد العالمية وتبلغ السلام . كان لنا في المدرسة الاكليريكية أستاذ بارز هو الأب دانسيزون، وكان يقول لنا: ليس ثمة أجمل من الأخوَّة»… لكن ذلك لم يمنع قايين، وهو الأخ الأول بتاريخ الانسانية، من قتل أخيه هابيل بدافع الحسد: انها ثمرة الخطيئة. لقد افتدى المسيح الأخوَّة واصبح أخًا للجميع ودعانا لنكون أخوة له ولنا أب واحد مشترك.

انطلاقًا من هذا المبدأ، فإن تصرفات كل منا ينبغي ان تتجاوز مقولة «العين بالعين والسن بالسن» وأن نعمل إزاء العنف وصراع القوى والمواجهات على تطبيق نصائح الانجيل: من ضربك على خدك اليمن در له الأيسر».

«وعندما تود تقديم ذبيحة وكنتَ مع أخيك على خلاف فاذهب وصالح أخاك أولاً ثم عد وقدم قربانك». وعن الصدارة الطبيعية أو الاجتماعية يذكرنا الانجيل بأن الأولين يصبحون آخرين والاخرين اولين». وفي علاقات التملك او الملكية يمكننا، بالمحبة وروح الشراكة، اعتبار القريب ذاتنا الآخر.

فإن أصبحنا أخوة للمسيح بالانسانية فإن مريم أمه اصبحت أمًّا لنا. حتى أن معنى لفظة «مريم» يحمل الينا وعودًا جميلة، فالأصل الآرامي يعني «سيدة البحر، المشعة، البهية، العزيزة على قلب الله، السيدة والأميرة».

وقد أطلق عليها شعبنا المسيحي كل الصفات التي يمكن أن يوصي بها الخيال الشعري. وفي الأجيال الأولى للمسيحية اعتبرت مريم «أم البشر» وذلك انطلاقًا من كون «مريم حواء جيدة». وبالواقع فإن حواء – بحسب الكتاب المقدس- هي أم الأحياء، وذلك بحسب الطبيعة ورغم عدم طاعتها. أما مريم فهي أم الأحياء بامتياز- وهو لقب أكده المجمع الفاتيكاني الثاني – وهي ام البشر بالنعمة وبالايمان وبطاعتها ومحبتها. لقد اصبحت مريم ام البشر في واقعتين:

– في البشارة حيث حملتنا سريًّا معها أمًا مُحبة

– وعلى الجلجلة حيث قدمت حياة وحيدها لفدائنا.

وفي هذا الإطار يقول القديس اوغسطينوس: ان مريم، بمحبتها التي جعلت المؤمنين يولدون بالنعمة، قد اصبحت امًا روحية لنا جميعًا واصبحنا أعضاء لرأسٍ هو يسوع المسيح.

فمَن سواها قادر على ان يشفع لدى ابنها عن سيئاتنا وضلالنا؟

في حضرة أم كهذه هل يمكننا بعد ان نتباغض، وألاَّ نقدِّر دموعها وخدماتها وسهرها وطيبتها الفائقة الوصف وسخاءها الذي لا يقارن؟ لقد ادخلت مريم الى عالمنا الحنان، وصدق النوايا وروح العائلة. اولا نقول في مثلنا العامي اللبناني ان الأم تلم؟

نصلِّي لها لتتدخل لدى ابنها، بالاتحاد مع كلِّ القدِّيسين – ومنهم مواطنون لنا أو معاصرون – لكي تتَّحد بالسلام والوفاق عائلات الأرض كلِّها وشعوبها. وهي – أم المشورة الصالحة – تجيب على صلوات كلِّ مَن يبحثون عن الطريق في متاهات القلق والتيارات الجارفة والتعصب والتطرف والحقد والحسد والطغيان.

أمَّا لبنان – وهي مليكته – فيصلِّي لها راكعًا كي تطرد عنه قوى الشر والتفرقة والهواجس. ونحن نعدها بأن نصنع مشيئة الرب في الإخلاص لدعوتنا في هذا «الوطن الرسالة». أوليست تلك أدعية اللبنانيِّين، من كلِّ الطوائف، في انتفاضتهم الوطنية لدعم الجيش في معركته لدحر الشرِّ الذي يتهدَّدنا؟ على ألاَّ تكون هذه الوحدة التي عبَّر عنها شعبنا عفويًّا تجاه جيشنا الباسل كنار في الهشيم لا تلبث أن تزول أمام أنانيتنا وأحقادنا وحب السيطرة على حساب الأخوَّة والعدالة والانسجام.

وإن مريم التي يحتفل كلُّ اللبنانيين بعيد بشارتها في الخامس والعشرين من آذار قد وعدت المؤمنين في ظهوراتها بأنها لن تترك هذا البلد الذي يعلنها في الطلبة المريمية «أرزة لبنان».

في كنيسة المطرانية هذه حيث نحتفل بعيد انتقال السيدة معكم، يا أصدقاءنا من السفارة الفرنسية، نودُّ التذكير بأن لبلدَينا مع مريم علاقات مميزة. وأن بصماتها حاضرة في كلِّ مُدننا وتراثنا ودروبنا وجبالنا والوديان. فلها شفيعة ووسيطة، نرفع صلواتنا لكلٍّ من بلدَينا قائلين:

يا مريم، يا من تحلِّين العقد، أنت أنشودة الخالق وقيثارة السماء، على محيَّاك يرتسم الخلود ومن ابتسامتك تنتعش الحياة. إنْ غبت غاب الله، فأنت سرُّ وجوده فينا وبيننا. واذا هدَّد الشكُّ إيماننا تقوديننا مسرعة نحو النور… لأنتِ سراجنا الذي لا ينطفئ وكل أحلامنا التي تتحقَّق.

هذه الذبيحة نرفعها بشفاعتك يا أمَّنا على نية فرنسا التي نحبُّ ولبنان الذي تتخذينه أيضًا مسكنًا لك. ونطلب كي تبقى فرنسا مشعة بتعلُّقها بقيم العدالة وحقوق الإنسان وحق الشعوب بتقرير مصيرها، وهي قيم يشترك فيها لبنان ويقترب معها من فرنسا. فليبقَ بلدانا هذان أمينَين على دعوتهما ورسالتهما. فنودع هذه النوايا لمريم صاحبة القدرة والشفاعة. يا ملكة فرنسا وأرزة لبنان ضمِّينا جميعًا الى حمايتك، فأنت ابنة الآب وأم الابن وعروس الروح. الألوهة تحيط بك ولن ترفض ما تطلبين. آمين.

وبعد القدّاس أولم المطران مطر لجيروم كوشارولأركان السفارة الفرنسيّة ولضيوف المطرانيّة،ألقى خلالها القائم بأعمال السفارة الفرنسيّة كلمة شكر فيها مطران بيروت على المحافظة على تقليد بدأ منذ عقود من الزمن مع أسلافه الأساقفة وأشاد بالعلاقات التي تربط لبنان بفرنسا  وبالتعاون القائم  مع مطرانيّة بيروت من خلال رعاياها وكهنتها وجامعتها ومدارسها،متمنيًا للبنان والمنطقة السلام والإستقرار.

وردّ المطران مطر بكلمة تحدّث فيها عن علاقة لبنان والكنيسة بفرنسا، وقال:

حين قام غبطة أبينا البطريرك مار بشاره بطرس الرَّاعي الكلِّيُّ الطوبى بزيارته الرَّسميَّة الأولى إلى فرنسا بعد انتخابه على كرسيِّ إنطاكية رأسًا للكنيسة المارونيَّة – وقد تشرَّفتُ وسعدتُ بمرافقته – استقبلَنا في قصر الإليزيه الرَّئيس الفرنسيُّ نيكولا ساركوزي، الَّذي قال مُرحِّبًا: «يا صاحب الغبطة، ويا أصدقاءَنا… إنَّنا معكم هنا وكأنَّنا عائلة واحدة وإنَّ بإمكاننا تبادل الأحاديث مباشرة وبدون دبلوماسيَّة». وبالحقيقة أقرُّ أنَّ كلام الرَّئيس هذا قد دخل مباشرة إلى قلوبنا جميعًا.

واليوم، وفي هذا اللِّقاء التَّقليديِّ الَّذي يعود إلى قرن ونصف بدون انقطاع، نستعيد كلام الرَّئيس الفرنسيِّ فنعتبر أنَّ كلَّ الحاضرين معنا وكأنَّهم عائلة واحدة، وأنَّ مُمثِّلي السفارة الفرنسيَّة في لبنان والمطرانية المارونيَّة في بيروت يمكنهم التَّحادث فيما بينهم مباشرة وبدون دبلوماسيَّة.

إنَّ مراقبة ما يحدث في لبنان والبلدان المجاورة، منذ حوالي عشر سنوات، تجعلنا ندرك بوضوح أنَّ «المسألة الشَّرقيَّة» الَّتي شغلت الناس أواخر عهد السلطنة العثمانيَّة في مطلع القرن المنصرم قد عادت إلى الظُّهور بقوَّة اليوم، ونقول أنَّ فرنسا الَّتي كانت معنيَّة إلى حدٍّ كبير بتلك «المسألة» الشَّديدة الأهمِّيَّة لا يمكنها اليوم إلاَّ أن تكون على ذات المستوى من العناية والاهتمام. إنَّ ما يصعقنا ويثيرنا هو أنْ نرى نحو مئة ألف مسيحيٍّ مع عدد كبير من المسلمين المعتَبَرين من الخوارج يُطرَدون من منازلهم ومُدُنهم وقُراهُم في شمالي العراق من قِبَل مَن يعتبرون أنفسهم ناشطين باسم الإسلام ويهدِّدون بتصفية كلِّ مَن يتجرَّأ على الوقوف بوجه دكتاتوريَّتهم. وما يزيد من دهشتنا أيضًا هو أنَّ أحدًا في العالم لا يَحُول دون تماديهم في إذلالهم للإنسانيَّة. وحتى أنَّ أحدًا لم يتَّهمهم بجرائم إبادة، ولم يُحالوا أمام أيَّة محكمة دوليَّة وليس من مرجعيَّة تُسائلهم عمَّا يرتكبون من جرائم وتجاوزات. وحدها بضعة طائرات مطاردة حاولت منع تقدُّمهم إلى أبعد من حدودٍ كأنَّها مرسومة لهم، وبدا كأنَّ لهؤلاء الغُزاة مساحة بإمكانهم البقاء فيها وممارسة كلِّ شيء، على ألاَّ يتجاوزوا الخطوط الَّتي قد تشكِّل حدودًا جديدة لمناطق ممزَّقة في بلد كان موحَّدًا وبات اليوم عرضة للتَّقسيم في شرق أوسط فقَدَ الرَّوح أو يكاد.

في زمن «المسألة الشَّرقيَّة» كانت الأمبراطوريَّة العثمانيَّة في وضع «الرَّجل المريض» الَّذي لم يكن ليصمد أمام إصرار الدُّول على المساواة بين المواطنين ذات الانتماء الاجتماعيِّ والثَّقافيِّ الواحد. ولأنَّ الموارنة كانوا يُطالبون بالحقوق عينها فقد اتُّهِموا بالخيانة، وهم مَن اتُّهموا أيضًا بمحبَّة فرنسا. ولهذه الأسباب بالتَّحديد نُفي المطران بطرس شبلي، سلَفِي على أبرشيَّة بيروت، وقد توفِّي في مَنفَاه في تركيا سنة 1917، واعتُبر شهيدًا للبنان وللصَّداقة اللبنانيَّة الفرنسيَّة. وإنَّ مجازر ارتُكِبَت في تلك الفترة كتلك الَّتي طاولت الشَّعب الأرمنيَّ سنة 1915 ولبنانيِّي الجبل على مدى سنوات الحرب العالميَّة الأولى. لقد عانَى أجدادنا من حصار مُحكَم حالَ دون وصولهم إلى القمح ممَّا جعل أكثر من ثلثهم يموتون جوعًا. وقد تحرَّكت فرنسا تجاه هذه الحالة اللاَّإنسانيَّة، فساعدت لبنان على النُّهوض والسَّير ليبلغ، وللمرَّة الأولى في تاريخه، مصاف الدُّوَل الحرَّة ذات السِّيادة.

أمَّا من جهتنا فإنَّ هذا اللُّبنان الَّذي سعينا إليه بكلِّ ما أُوتِينَا أردناه جميعًا وطن التَّعايش بين المسيحيِّين والمسلمين، يحيَون فيه معًا بالمساواة والاعتراف المتبادل، ويتشاركون في السُّلطة ذاتها وفي ذات المصير المشترك.

وبعد مئة سنة من غياب السَّلطنة العثمانيَّة نرانا اليوم، من جديد، أمام مشهد مقيت من الموت والقهر، مع الفارق أنَّ العالم العربيَّ اليوم هو مَن أصبح «الرَّجلَ المريض»، ولقد أضعفته انقسامات أهله، خصوصًا مَن هم من الطائفة الواحدة. كأنَّ هذا القرن المنصرم لم يكن كافيًا لمنطقتنا لإحداث تغييرات نوعيَّة في حياتها وثقافتها.

لقد وضع السينودس من أجل لبنان، المنعقد في الفاتيكان سنة 2010، الإصبع على الجرح الَّذي تعاني منه منطقتنا إذْ رأى أنَّ عنصرَين كفيلَين بتحقيق تقدُّمِّ المنطقة، وهما: تثبيت المواطنيَّة للجميع، والالتزام بالحرِّيَّة الدِّينيَّة الَّتي رفعها السينودس إلى مرتبة حرِّيَّة الضَّمير. غير أنَّ هذا التَّقدُّم المنشود لا يُمكن له أن يتحقَّقَ بقوى العقل وحدها، فللقلب دوره المهمُّ أيضًا. على أنَّ هذا الدَّور معطَّلٌ منذ القضيَّة الفلسطينيَّة الَّتي لم تُلاقِ لها حلاًّ مع إنشاء دولة إسرائيل. أمَّا اليوم فإنَّ مرض الشَّرق الأوسط يتفشَّى بشكلٍ مرعبٍ، والمواجهة الحاقدة بين تيَّارات سنِّيَّة وأخرى شيعيَّة تشلُّ قوى الإسلام الحيَّة وكلَّ الدُّول العربيَّة أو الإسلاميَّة المختلطة تُواجِهُ خطر التَّفكُّك، غير أنَّ المسألة الأكثر خطورة هي الَّتي تكمن في رفض الآخر، المختلف في المعتقد والعقيدة، وهذا ما يُعيق كلَّ عبور من الطائفة إلى الدَّولة أو إلى الحياة المشتركة العاديَّة.

تضاف إلى كلِّ ذلك موجة من الأصوليَّة الحادَّة، المتعدِّدة المصادر، تقود إلى اضطهاد المواطنين المختلفين وهدم كلِّ جماعة ممكنة أو قابلة للوجود. إنَّ مَثَلَي العراق وسوريا يُشكِّلان علامة تهديدٍ جدِّيٍّ للحضارة العربيَّة بكلِّ غناها.

نستنتج من هذا الواقع المؤلم الَّذي يعيشه الشَّرق الأوسط أنَّ الحرب الَّتي يَقُودُها اليوم مُقاتِلُو «الدَّولة الإسلاميَّة في العراق وسوريا» هي حرب ضدَّ الحضارة وضدَّ معنى التَّاريخ. فهذه الميليشيات المسلَّحة تهدم ثقافةً عمرها ألفا سنة، وتدكُّ أسُسَ الحضارة الإسلاميَّة بالذات.

تجاه هذا الخطر المُحدق بنا نتساءل عمَّا علينا أن نفعله الآن؟

فعلى المستوى السِّياسيِّ أوَّلاً، لا يمكن لِمَن يقترفون الجرائم ضدَّ الإنسانيَّة إلاَّ أن يُحاكَموا رسميًّا… فلماذا لا يُصدِر مجلس الأمن قرارًا بشأن جرائم الإبادة هذه الَّتي لا تقلُّ خطورةً عمَّا جرى في كوسوفو؟ وكلُّنا يعلم كيف أنَّ القادة الصربيِّين قد خضعوا لمحاكمة من محكمة خاصَّة تمَّ إنشاؤها لمعالجة هذه القضيَّة بالذات. ولمَ لا تقوم أوروبا بعمل تجاه هذه الأحداث الَّتي تُعتبَر أشدَّ خطرًا وتعقيدًا من تلك الَّتي حصلت في القرن الماضي وحملت أوروبا ذاتها على التَّحرُّك بحماس لمصلحة مسيحيِّي الشَّرق المضطَهَدين؟

هل كان ميلوسيفيتش أكثر خطرًا على أمن أوروبا من قادة داعش على أمن المنطقة العربيَّة؟ أمْ أنَّ للأمم المتَّحدة ميزانَين ومكيالَين؟ أمَّا الصَّوت الخافت للأمم المتَّحدة وعجزها عن التَّحرُّك رغم كلِّ إمكاناتها فأمرٌ مُميتٌ للشُّعوب الَّتي تُعانِي الاستشهاد وتُواجِه خطر الزَّوال، وهي مرميَّة في أعالي الجبال، بدون ماء أو طعام.

كذلك فإنَّ علينا أن نطرح الصَّوت مُطالِبين الحكومة العراقيَّة بتحمُّل مسؤوليَّاتها تجاه مُواطِنِيها، كما نطالب فرنسا، صاحبة التَّقاليد الغنيَّة في قضايا الإنسانيَّة، أن تضغط على الأمم المتَّحدة وسائر القوى العظمى للتَّحرُّك وإجبار المجرمين المعروفين بالكفِّ عمَّا يرتكبون. وأنَّ على المسيحيَّة والإسلام أيضًا التَّعاون حيث أمكن ذلك، فالدِّيانتان تحملان معًا مسؤوليَّاتٍ سلاميَّةً للإنسانيَّة جمعاء. غير أنَّ لا شيءَ يحلُّ محلَّ الجهد المطلوب من العالم كي لا يترك جريمة بدون عقاب.

إنَّ لِلُبنانَ أيضًا دورًا يلعبه في هذه المواجهة العالميَّة للإرهاب، ابتداءً من تحصين الدَّاخل لمجابهة تفشِّي الوباء، وإنَّ الحصانة الأضمن تكمن في وحدة أبنائه. فهل نحن على مستوى صيانة هذه الوحدة وتأمين سير عمل مؤسَّساتنا، بدءًا من انتخاب رئيس للجمهوريَّة؟

هل نحن مُدرِكُون كفاية أنَّ النَّموذج اللبنانيَّ في التَّعايش قادر على مساعدة الدُّول العربيَّة المجاورة في تطبيقه على مجتمعاتهم؟

في عيد انتقال السيِّدة العذراء مريم، نتمنَّى أن يرتفع اللبنانيُّون بِدَورِهِم إلى مستوى رسالتهم في خدمة القيم والسَّلام الحقيقيِّ.

وهكذا نرى أنفسنا معًا، فرنسيِّين ولبنانيِّين، في المعركة الواحدة من أجل الإنسان والحرِّيَّة والمساواة والأخوَّة. أليس هذا ما يشرح معنى شعورنا بالعائلة الواحدة كلَّما التقينا معًا؟

في هذا المنحى أُحَيِّي الصَّداقة الفرنسيَّة – اللبنانيَّة، وأشكركم، يا سعادة القائم بالأعمال، لتجاوبكم ومُعَاوِنيكم مع دعوتنا التَّقليديَّة هذه. وأرفعُ كأسي من أجل رسالة فرنسا، ورسالة لبنان، وأدعُو من كلِّ قلبي أن تَحيَا فرنسا ويَحيَا لبنان.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل