في خلفية تمويل الرياض للمحكمة الدولية
إجراءات أمنية تواكب تحذير السعودية لرعاياها
إجراءات أمنية تواكب تحذير السعودية لرعاياها
جاء التحذير الذي دعت فيه المملكة العربية السعودية رعاياها الى “عدم السفر إلى لبنان ضماناً لأمنهم وسلامتهم وعدم تعرضهم لأي مكروه”، ليفتتح اسبوعا لبنانيا حاسما، يفترض ان ينتهي الجمعة بالاحتفال الذي يقيمه “حزب الله” في ذكرى اسبوع قائده الامني والعسكري عماد مغنية وذكرى اغتيال أمينه العام السابق السيد عباس الموسوي.
وبين التحذير السعودي واحتفال الحزب، ينتظر لبنان نتائج التحقيق التي يمكن ان تعلنها سوريا في اغتيال مغنية، والتي يمكن ان تحدد مسار الطريق الذي ستسلكه سوريا في تعاطيها مع هذا الملف الامني، لبنانيا واقليميا.
وجاء التحذير السعودي في لحظة تقاطع اقليمية دقيقة، على مستوى العلاقات السورية – السعودية، وفي وقت تأخذ فيه العلاقات اللبنانية – الداخلية منحى جديا من التشنج. والبيان السعودي اشاع جوا من القلق لدى اللبنانيين، الذين توالت عليهم التعليمات التي تعطيها السفارات الغربية لرعاياها في لبنان بتوخي الحذر في تنقلهم في لبنان او المجيء اليه، يعكس مدى التوتر الذي يعيشه لبنان امنيا، خصوصا ان التحذير السعودي تزامن مع معطيات امنية كانت بدأت تتوافر لدى السلطات اللبنانية منذ اسبوعين.
فخلال زيارة رئيس الحكومة فؤاد السنيورة للسعودية، يوم اغتيال الرائد الشهيد وسام عيد، تعهدت المملكة السعودية له بتغطية العجز الذي لا يزال يعانيه تمويل المحكمة الدولية. وبعد يومين وردت معلومات غربية امنية عن احتمال استهداف مصالح سعودية في لبنان، على خلفية الدخول السعودي على خط المحكمة بقوة. واكدت مصادر امنية لبنانية لـ”النهار” ان تدابير امنية اتخذت في محيط السفارة السعودية ومنزل السفير السعودي عبد العزيز خوجه، تبعا لذلك، وان الاحتياطات الامنية شددت خلال الاسبوعين الماضيين. واشارت الى انه حتى اليوم لم يرصد اي عمل يمكن ان يبنى عليه جديا، لكن وفق المعطيات المتوافرة كان لا بد من اتخاذ الاحتياطات اللازمة. مع العلم انها ليست المرة الاولى تكثف فيها الاجراءات حول السفارة السعودية ومنزل السفير. وربطت المصادر التحذير السعودي بالخلاف السوري – السعودي على القمة العربية والمحكمة الدولية، رافضة اي صلة له بالتقرير المحتمل صدوره عن دمشق حول اغتيال مغنية.
وتشير اوساط سياسية الى ان ثمة روزنامة من المواعيد واللقاءات الاقليمية، لا يمكن عزلها عما يجري في لبنان، وتاليا عن التحذيرات الامنية المتتالية حول الوضع اللبناني. فالرئيس الايراني محمود احمدي نجاد يزور العراق مطلع الشهر المقبل في خطوة لا يمكن ان تنظر اليها السعودية ولا الولايات المتحدة بعين الرضا، خصوصا بعد فشل كل المحاولات السعودية لعزل ايران عن العراق وسوريا.
وجاء اغتيال مغنية ليضع ايران مجددا في واجهة الحدث الاقليمي، اذ لم يكن حدثا عابرا ان يدعو مرشد الثورة علي خامنئي الى مجلس عزاء لمغنية، ولا ان يرسل رسالة تعزية باسمه الى الامين العام للحزب السيد حسن نصرالله، ولا ان يعلن قائد “الحرس الثوري الايراني” الجنرال محمد علي جعفري انه يتوقع “تدمير” اسرائيل قريبا بأيدي مقاتلي “حزب الله”. وبهذا المعنى تتحدث اوساط سياسية لبنانية عن ان الخطوة السعودية غير معزولة عن حدث القمة العربية والوضع الاقليمي الذي يمكن ان ينحو نحو التدهور وفق رد الفعل السوري والايراني على اغتيال مغنية.
ولم يعد سراً ان السعودية تقود حملة دولية لتمويل المحكمة الدولية، يقوم بها وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، وانتقل خلالها من موسكو الى واشنطن من اجل حشد الدعم اللازم لها. وكلما اقترب موعد انطلاق المحكمة ازداد منسوب الخطر في لبنان. لكن اغتيال مغنية، الذي اتى وسط تقاطع اقليمي خطر يمكن ان يؤجج المنحى التصعيدي اقليميا. اذ ليس امام سوريا وايران سوى خيارين للرد على اغتياله، اما المواجهة مع اسرائيل واما الانقلاب اللبناني الداخلي. وترجح الاوساط السياسية ان يكون الرد اقليميا. اذ ان “حزب الله”، حتى الساعة، لم يحذو حذو “حماس” في خطوتها الانفصالية في غزة، وهذا امر يسجل له، على رغم ان التوقعات اللبنانية كانت تتخوف من تكرار مثل هذا السيناريو. وفي حين تتكرر المشكلات الامنية في شوارع بيروت في شكل شبه يومي، يبدي الحزب حرصاً على ألا يؤدي الرد على اغتيال مغنية الى تغيير المعادلة اللبنانية. وتشير مصادر امنية شاركت في الاجتماع الامني الذي عقد اول من امس في مقر مديرية المخابرات في الجيش، الى ان الحزب كان واضحا في سلوك هذا الاتجاه. علماً ان من مصلحته المحافظة على الوضع القائم داخليا اذا قرر الانصراف الى الرد على اسرائيل، انتقاما لمغنية.
وفي اعتقاد اوساط بارزة في الاكثرية النيابية ان القرار السعودي انما اتى استنادا الى هذه الخلفية، التي تتحوط من اي عملية ضد اسرائيل، خصوصا ان من مصلحة سوريا ان تصبح المحكمة الدولية بندا ثانيا في الاولويات الاقليمية والدولية، وان احتمال اي مواجهة مع اسرائيل يمكن ان يفتح الباب امام شتى الاحتمالات. مع ان الرد يمكن ان يكون في لبنان او في اي دولة مجاورة، عملا بمبدأ المعاملة بالمثل، وما دامت هناك تلميحات سورية الى تورط احدى دول الجوار في عملية اغتيال مغنية.
من هذا المنطلق تبدو كل الترجيحات الامنية مفتوحة على غاربها في لبنان، وقرار السعودية جاء بمثابة اعلى درجات التحذير للبنانيين من السيناريوات الموضوعة امامهم، عشية غياب السعودية عن قمة دمشق، وجعلها في مهب الرياح الدولية، مما يعني حكما فشل كل المبادرات العربية والغربية. اما الرئاسة اللبنانية فلها شأن آخر، ما دامت كل التلميحات الى احتمال الوصول الى حل صارت من الماضي بعد اغتيال مغنية ودخول لبنان عصرا آخر من الاحتمالات المجهولة، تحت وطأة التعجيل في انشاء المحكمة الدولية.