“حزب الله” يواجه خيارات صعبة في الرد على اغتيال قائده العسكري في الوقت الذي ينتظر اللبنانيون استئناف الأمين العام لجامعة الدول العربية عمرو موسى مساعيه بعد أيام تنفيذاً للمبادرة العربية وايجاد حل للأزمة، انشغلت الأوساط السياسية بطبيعة رد “حزب الله” المتوقع على عملية اغتيال قائده العسكري، وماذا سيكون تأثير الرد على مساعي الحل، خصوصاً وأن كثيرين في أوساط المعارضة يتحدثون عن أن المعطى الأمني الجديد غير المعادلة التي كانت قائمة، ليس اقليمياً بل داخلياً أيضاً.
وتاليا، فان الأسئلة عن كيفية الرد كثيرة، لكن أوساط “حزب الله” تتكتم عن نوايا القيادة لأسباب عديدة، يلخصها مصدر مطلع بالآتي:
أولاً: ان الحزب اتهم علناً اسرائيل بالجريمة، ولكنه سراً ما زال يتحرى لمعرفة القاتل الحقيقي، واذا كان الموساد الاسرائيلي بالفعل، فهل تلقى مساعدة من أطراف عربية أو دولية، تقاطعت مصالحها كلها عند نقطة التخلص من شخص تعتبره 42 دولة ارهابياً، ومن هي هذه الأطراف؟
ثانياً: يتوقف على تحديد الجهة التي قررت ونفذت الاغتيال، شكل الرد، واذا كان من المؤكد أن الحزب لن يغير روايته واتهامه للموساد، فانه عندما يعرف من قتل مسؤوله العسكري، سيحدد المستوى الذي سيرد فيه على الاسرائيليين، حتى لو كان القاتل عربياً أو غربياً، ولكن حجم الرد على اسرائيل سيكون محدوداً.
ثالثاً: ان القرار بالرد ليس خاصاً بالحزب، فهناك سورية وايران اللتان لا يمكن تجاوزهما، لارتباط الحزب العضوي بهما، وأي خطوة سيتخذها ولو منفرداً ستنعكس مباشرة على هاتين الدولتين، وبالتالي فان هذا العامل قد يغير من طبيعة الرد وشكله وحجمه، كي لا يورط دمشق وطهران، وبالعكس فان الدولتين قد تدفعان الحزب الى مغامرة ما، ضد طرف ما (الأرجح اسرائيل)، اذا اقتضت مصلحتهما ذلك.
وعلى الرغم من السرية التامة والتكتم الشديدين اللذين يفرضهما مسؤولو “حزب الله” على الموضوع، فان مصدراً اعلامياً مطلعاً على أجواء الحزب يرسم ما يشبه لائحة الممنوعات والمحظورات، وحتى الصعوبات التي ستواجه الحزب في عملية الرد، ويعرض المصدر اللائحة على الشكل التالي:
أولاً: أمام الحزب عدة خيارات للرد أولها: القيام بعملية أو عمليات أمنية (اغتيالات أو تفجيرات) خارج حدود لبنان واسرائيل، في أي من دول العالم، وهذا الخيار مستبعد لأن الحزب اتخذ قراراً ستراتيجياً منذ سنوات، بحصر صراعه مع اسرائيل على جبهات القتال، ونال بفضل هذا القرار نوعاً من الحماية الأوروبية، حيث رفضت معظم دول أوروبا ادراجه على لائحة الارهاب، رغم الحاح الولايات المتحدة الأميركية، واذا غير الحزب هذا القرار فان حلقة العزل الدولية حوله ستكتمل وتشتد، في وقت يواجه صعوبة بالغة تجاه مفاعيل القرار 1559 الداعي الى نزع سلاحه، ويؤكد المصدر أن العمليات التي نفذها عماد مغنية في الخارج، تعود الى مرحلة قديمة توقفت تماماً بقرار من الحزب.
ثانياً: الخيار العسكري المباشر على الحدود اللبنانية-الاسرائيلية، وهذا يعني اعلان حرب جديدة لن تكون ذريعتها في نظر معظم اللبنانيين أكبر وأهم من ذريعة حرب يوليو 2006، والتي جاهد ويجاهد “حزب الله” حتى اليوم في تسويقها، وما يعقد أجندة الحزب أكثر، أن لبنان لم ينته بعد من تداعيات تلك الحرب، حيث يعيش وضعا اقتصاديا واجتماعيا سيئا جدا، ناهيك عن الانقسام السياسي الحاد والذي لم يكن كذلك عشية الحرب. واذا كان الحزب وجد في العماد ميشال عون يومها حليفاً وحيداً، فانه لن يجده الآن بعد أن تغير المزاج المسيحي جذرياً، وتعرض التفاهم مع “التيار الوطني الحر” لاصابات بالغة، سيما وأن عددا من نواب كتلة “التغيير والاصلاح”، أكد رفضه للحرب المفتوحة التي أعلنها نصر الله.
ثالثاً: الرد الأمني داخل اسرائيل، أي باغتيال أحد المسؤولين، أو تفجير مقر ما، وهذا الخيار شبه مستحيل تقنياً بسبب عوامل عدة، أبرزها أن أرض الداخل الاسرائيلي مجهولة تماماً للحزب، الذي لا يمتلك ولا يمكن أن يمتلك عناصر بشرية قادرة على اختراق تلك البيئة الأمنية المحصنة، أما القول بأن ذلك شبه مستحيل وليس مستحيلاً بالمطلق، فيعود الى امكان أن تتعاون عناصر فلسطينية مع الحزب لتحقيق غرضه، ومن دون ذلك لن يستطيع فعل شيء، وهذا الدخول الفلسطيني في العملية، دونه صعوبات سياسية كثيرة في ظل الوضع الفلسطيني الداخلي.
رابعاً: في صعوبة الخيار السابق، يرى المراقبون أن قيام “حزب الله” بعملية أمنية كبيرة في الداخل الاسرائيلي، سيجر عليه رداً أقسى بكثير من أي عمل حربي على الحدود، لأن اسرائيل التي فشلت في سحق الحزب في حرب يوليو، رغم زج قوات كبيرة ومعدات هائلة، ما زالت تعاني من هذا الاخفاق، واذا نجح الحزب في اختراقها بعمل أمني نوعي على أراضيها، فان كامل هيبة الدولة العبرية سيكون على المحك، ولن تستطيع الرد بشكل عادي، بالتالي يتوقع أن يكون الرد شاملاً باطلاق كل فرق الاستخبارات في جميع أنحاء العالم، للرد على مسؤولي وأفراد الحزب، لذا يرجح أن يتهيب الحزب هذا النوع من الأعمال التي سبق وجربتها الجبهة الشعبية باغتيال وزير اسرائيلي، رداً على اغتيال أمينها العام السابق أبو علي مصطفى، فجاء الرد الاسرائيلي أشمل وأقسى وانتهى الأمر بأمين عام الجبهة أحمد سعدات في السجن.
الخلاصة حسب مصادر متابعة، أن “حزب الله” في وضع صعب لا يُحسد عليه، لأن خياراته كلها مرة، وكان في الأساس في غنى عن استهدافه بهذا الشكل المباشر، الا اذا كان وراء الاغتيال اعتبارات أخرى، مغايرة لمنطق الصراع المفتوح بين الحزب واسرائيل، وتتصل مباشرة بالحسابات الاقليمية والدولية التي يرتبط بها هذا الحزب.