"التنقية" الجنبلاطية من مقلبين
لا يمكن اعتبار آخر المواقف المثيرة للجدل و"النقزة" وربما الصدمة التي اطلقها رئيس "اللقاء الديموقراطي" النائب وليد جنبلاط في شأن "تنقية الساحة الاسلامية"، عبر قيام "تجمع قوي" بين القوى الاربع الشيعية والسنية والدرزية التي جمعها يوما "التفاهم الرباعي"، مجرد زلة لسان استدعت توضيحات جنبلاطية عاجلة. ذلك ان الخط البياني التصاعدي للهواجس الجنبلاطية منذ 7 ايار 2008، مروراً بـ"فخ در شبيغل" في شأن المحكمة الدولية وصولا الى "تداعيات" انتصار 14 آذار في الانتخابات، يضفي على هذه القفزة السياسية الجديدة صدقية كاملة من زاوية رصد تعاظم المخاوف الجنبلاطية من مجموعة تطورات لبنانية واقليمية تجعله يمضي بلا هوادة في سياسة "التحصين الاستباقي" للساحة الاسلامية.
يرتب هذا الموقف خطورة مزدوجة لا مكان فيها للمجاملات واللياقات في التعامل مع صاحبه من الذين صدمهم، ولا في التهاون معه ازاء ما يمكن ان يتجاوز الخط الاحمر في هزّ موقع الغالبية الخارجة لتوها من انتصار انتخابي موصوف.
الخطورة في الوجه الاول هي ان ما يقوله جنبلاط حقيقي وواقعي الى درجة مفرطة وآسرة وتكاد تستحيل مجادلته فيه. فلبنان وقع في 7 ايار ليس في هوة الانفجار السياسي الذي كان القشرة السطحية التي تظللت فيها هجمة العنف، بل في هوة الصراع المذهبي السافر للمرة الاولى منذرا بانتقال آفة العنف المذهبي الاقليمي المتفشي في بؤر الشرق الاوسط، الى لبنان.
يصعب على القوى المسيحية حصرا التي توجه اليها جنبلاط بواقعية قاسية ان تسفّه منطقه في هذه المقاربة، وهو الذي عاين في "مناطقه" معنى تمدد الفتنة والعنف المذهبي وكل دلالاتهما واحتمالاتهما الآنية و"المستقبلية" في ما لو لم يطلق مع حليفه السني الوازن وندّيهما الشيعيين شباك الحصار على هذه الفتنة ومعالجتها في العمق. ثم ان القوى المسيحية نفسها تعاني منذ نشوء معادلة 8 و14 آذار عقدة "الاستتباع" للصراع بين الطوائف الاسلامية. وتضج ادبيات القوى المسيحية مذذاك بهذه العقدة الخلفية التي لم تتوان عن "تحريض" المسيحيين على اقامة "معسكرهم" الموحد مجددا ازاء التكتلات العملاقة للطوائف الاسلامية. حتى ان افضل ما لا يزال يمتلكه المسيحيون في المشهد السياسي هو التنوع ضمن الطائفة الواحدة، كاد يتحول نقمة عليهم لانه بالمعيار الطائفي والمذهبي السائد تحول نقطة ضعف لديهم. لكن هذا المفهوم النشاز سرعان ما تبدد في الانتخابات حين استعاد المسيحيون القاً مبهراً اثبتوا معه انهم "ملح الديموقراطية" اللبنانية. ومع ذلك لا يمكنهم ان يديروا ظهر المجن لـ"الساحة الاسلامية" على النحو الذي يوصّفه جنبلاط لأن الواقع المذهبي الملتهب اقوى من ان يعالج بالديموقراطية وحدها.
ومع ذلك فان جنبلاط بدوره لا يمكنه ان يتجاهل الخطورة الموازية لافراطه في التوجس على ساحته بما يشكل رافعة للمعارضة ومن يدعم بعض قواها على الاقل على المستوى الاقليمي. فهو يتراءى للقوى المسيحية الحليفة، قبل الخصوم، كأنه توغّل خارج الخطوط الحمر في استحضاره نعت بعض الحلفاء باستحضار الخطاب "الانعزالي". هذه الردة تحدث صدى سلبيا للغاية في ذاكرة عمل جنبلاط نفسه منذ عام 2000 مع الكنيسة المارونية ثم مع زعماء مسيحيين آخرين على "تنقية" الساحة المسيحية – الاسلامية عموما والمارونية – الدرزية خصوصا من جروحها المدمرة.
وعلى نقيض ما يقوله عن الساحة الاسلامية، تمكن مجادلته بعمق في التوصيف "الانعزالي" لأن القوى المسيحية، على ما تعاني من واقع انقسامها، يسجل لها على ضفتي الاكثرية والاقلية سواء بسواء انها بارحت الى غير رجعة كل نزعة الى الانعزال بدليل ان تحالفاتها مع السنة والشيعة والدروز ساهمت مساهمة موضوعية في كسر الاطار المزمن للانقسام الطائفي الكلاسيكي والشديد الخطورة ولم تكن مرة إلا في موقع "المتلقي" للارتدادات المذهبية الناشئة.