#adsense

فخ الأمن الذاتي

حجم الخط

إفتتاحية “المسيرة” في عددها الصادر الجمعة 19 أيلول 2014

حسنا فعلت السفارة الأميركية في بيروت بردّها التوضيحي على ما تم تسريبه من كلام للرئيس باراك أوباما أمام بطاركة الشرق يناقض تماما ما قاله فعلاً. وبالمختصر فقد نُسب لأوباما قوله إن نظام بشار الأسد حمى المسيحيين، بينما الواقع أن الرئيس الأميركي قال إن نظام الأسد نكّل بالشعب السوري وبالمسيحيين منه، مساوياً بين هذا النظام وبين “داعش”.

ولكن، هل سيأتي يوم نقول فيه حسناً فعل الأميركيون بدعم المعارضة السورية المعتدلة جدّياً وبإسقاط مزدوج للنظام و”دولة الإسلام في الشام والعراق”؟

هذا ما يبدو أنه حاصل، ولكن السؤال يبقى، كم سيحتاج من الوقت، وهل سيتردّد أوباما مرة أخرى وينكفئ على غرار انكفائه عن الضربة الجوية والصاروخية التي أعدّ العدة لتوجيهها لنظام الأسد بعد مجزرة الكيماوي في الغوطة؟

بالتأكيد، منطق المنطق ومنطق التاريخ ومنطق الحسابات السياسية يؤشر إلى أن “داعش” ظاهرة إلى زوال ولو بعد حين، وأن نظام بشار لم يعد قابلاً للتعويم، وأن المعارضة السورية المعتدلة تُظهر علامات قوة وتطور ملحوظ ميدانياً، خصوصاً وأن مستوى الدعم الذي افتقدته طويلاً مرشح للتصاعد تدريجاً.

وفي الوقائع أن “حزب الله” يصطدم بصعوبات عسكرية متزايدة في الجبهات التي يخوض فيها القتال، سواء في ضواحي دمشق أو في منطقة القلمون المحاذية للحدود اللبنانية الشرقية والتي تمتد إلى جرود عرسال، وهو أمر لافت خصوصاً وأن التحوّل الميداني الحاصل في القلمون لصالح المعارضة جاء بعد الحملات الدعائية الطنّانة لـ”حزب الله” والنظام السوري التي تتحدث عن تحقيق الإنتصار الحاسم فيها.

وتيرة سقوط قتلى “حزب الله” في سوريا إلى تصاعد، حيث يكاد لا يمر يوم إلا ويُشيَّع قتيل أو أكثر للحزب في الجنوب خصوصاً، فضلاً عن إعلان سقوط مزيد من القتلى له في العراق. على أن ما يستدعي الإستهجان هو إصرار فريق 8 آذار بقيادة “حزب الله” ومشاركة “التيار الوطني الحر” على التهويل بـ”داعش” كفزّاعة لدبِّ الخوف في قلوب المسيحيين والتسليم بالتالي بمبدأ الحاجة لحماية يوفرها نظام أو طائفة أو حزب معين، وتالياً تكريس المنطق الذمّي، وهو ما يرفضه المسيحيون في لبنان بالدرجة الأولى، فهم في أصل هذا البلد وطناً وكياناً، وهم شركاء متساوون فيه مع المسلمين، ولم يخشوا يوماً الدواعش على أشكالها. وهم يعرفون أن فخ الأمن الذاتي ينصبه لهم “حزب الله” لأنه يريد أن يكرس نفسه وصيًا على الدولة وعلى الأمن بعد تغييب دور المؤسسات الشرعية.

ولذا، فإن انتخاب رئيس للجمهورية واجب دستوري ووطني وديمقراطي، وليس موضع منّة من أحد. فقد ملّ المسيحيون من المحاولات المتذاكية لتقاسم وجودهم وقرارهم في السلطة، عبر الإختباء بشعارات ومزايدات مكشوفة. ولذلك فإن دعم الجيش اللبناني أولوية أساسية وانسحاب “حزب الله” من سوريا وتسليم سلاحه الى الجيش يعتبران الخطوة الأساسية في إعادة تكوين الدولة.

لقد آن الأوان للعماد ميشال عون أن يُقلع عن الديماغوجية القاتلة وعن العبث بمصير الإستحقاق الرئاسي، وكأن المسألة مسألة شخصية أو مسألة “أخد بالثأر” بعد هروبه الشهير من قصر بعبدا.

لقد آن الأوان أن يدرك بعض القادة المسيحيين أن التلهّي بالخصومات على “هبّوصة” متواضعة،  سيطيح بـ”الهبوصة” نفسها، وسيجعل المسيحيين إن لم يكن غداً فبعد غد، عرضة لمزيد من الضمور على المستوى الوطني والسياسي، بحيث يأتي وقت لن ينفع فيه الندم، وهذا معنى إصرار سمير جعجع على عدم الوقوع في الأفخاخ وعلى اللعبة الديمقراطية المفتوحة التي تفتح الطريق أمام توافق يحافظ على الرئاسة وليس على الكرسي.

مسار الأحداث في المنطقة يتغيّر، وعلى المسيحيين في لبنان وسائر المشرق أن يلتقطوا الفرصة السانحة جيداً للحفاظ على وجودهم وحضورهم، بعيداً في آن واحد من المخاوف ومن الأوهام.

المصدر:
المسيرة

خبر عاجل