#adsense

صباح الخير استاذ انطوان

حجم الخط

الكتائبي العتيق تعتّق في الشهادة. انطوان غانم ذاك اللبق في الحياة النظيف الكف في السياسة، عوقب على كل شيء، على النظافة واللباقة والانتماء. لم يكن مقبولاً أن يبقى على مقاعد المجلس النيابي شخصية من هذا الطراز الرفيع، كان يجب أن يقل عددهم قدر المستطاع وبأسرع وقت، هم ما غيرهم نواب “14 آذار”، لم يمهلوه أكثر من ساعات بعد عودته من السفر، علموا منذ لحظة وصوله المطار انه عاد، فكان الاستقبال الكبير في سن الفيل، تفجّرت به الحياة وراح معه طوني ضو عريس الشباب في “القوات اللبنانية”، المندفع لمرافقته والذي كان يرفض الا أن يكون معه في كل الاوقات، ومرافقه الثاني نهاد غريب وكل من استشهد وجرح معهم.

كانت التفجيرات بدأت تصبح عادة، نسمع دوياً نهرع الى الاخبار لنعرف مين هالمرّة، كنا بدأنا نعدّ رموزنا علّنا نستبق الحدث ونحذّر هؤلاء المنتمين الى ثورة الارز، علّ التحذير يسبق القدر المحتوم، أحيانا نفلح وغالباً لا، الاستاذ انطوان كما يناديه الجميع، لعله لم يتوقّع أن يكون هو الطريدة بهذ السرعة القياسية، لكنه كان كذلك. اصطاده المجرمون أمام عيون الوطن وعلى عين ناسه، بكل وقاحة وفجور تباهوا بأشلائه ودمائه وما كانت الا جزءا من أشلاء وطن متناثر على حدود الرعب والخيبة والخوف على أبنائه.

جلسوا المجرمون معنا الى الشاشات يراقبون ويستنكرون وهم يعلمون اننا نعلم انهم هم ما غيرهم القتلة، سفاحو العصر الجديد، دواعش الايام الماضية والحاضرة واللاحقة، هذا حسبهم دائما، يقتلون ثم يهرعون لتقيدم واجب العزاء، هكذا هي الحياة السياسية في لبنان، قاتل يجلس ويجالس الضحية وما يلبث أن يقدم العزاء لرحيلها “القسري”.

كان يجب أن يموت انطوان غانم ليحيا بعض من جمهورية الموت، كل شهيد يسقط من بيننا كان احياء لميت من عندهم، شهدؤانا يرتفعون الى فوق ويغيبون عن وجوهنا ونغرق في آسى الفراق والدموع، وموتاهم أحياء يمشون بيننا يبحثون عمن يغرزون فيه أنيابهم ليمتصوا الدماء التي تغلي عنفوانا وكرامة، وهكذا عبرت بنا الايام عاشوا من امتصاص دمائنا وحتى اللحظة لم يرتووا. هكذا تعبر بنا الايام، نقاوم نرفض الاستسلام واللاكرامة وهم من حولنا يرسمون دوائر الموت، نحن نركض بعنف الحب صوب الحياة وهم يحاصروننا بعنف الدماء لنذهب معهم الى ظلام الذل والاستسلام والا فلن يكون لنا الا دوائر الموت.

غريب كيف فجأة يختفي وجه من بين الوجوه ليتحوّل الى صورة وذكرى، الكتائبي العتيق صار صورة، النائب الذي لم تتمكن منه لوثة السياسة، كان سياسياً لكنه كان انساناً بخدمة الناس عبر السياسة ولم تكن السياسة باب عبور لمطامعه ولالتهامه حقوق الناس، النائب اللطيف الدمث ابن عين الرمانة “ضيعتي” كما كان يصفها، هو نفسه من فتح ابواب ضيعته تلك، وفتح باب بيته لاستقبال النازحين الجنوبيين أيام حرب تموز، وكان يدور عليهن فرداً فرداً للاطلاع على ما يحتاجونه، ويرفض في المساء أن يرتاح في مقهى أو مطعم  مع صديق أو مع العيلة، “ما بحب بلكي حدن شافني بيفكرني مبسوط واجرح مشاعر هالمعترين”.

هكذا يكافأ الكبار في بلادي، هو الان يجلس الى مقهى الذاكرة حيث تعبر الفصول وتبقى عيون من نحب معلقة في الاطار اياه، الوفاء للشهيد وكلمة حلوة بعد، صباح الخير لكل من جعل ايامنا صباحات متتالية وخصوصا خصوصا الشهداء.

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل