حتى الساعة، لم يتقدّم أحد من أركان الدولة باقتراحٍ مفيد يُغيّر المشهد «العرسالي» المأزوم، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: هل سيبقى أهل «عرسال» والجيش اللبناني في حالة استنزافٍ وخاصرة مفتوحة قد تجرّ الويلات على لبنان؟! ونقول صراحة؛ كنّا نتوقّع حراكاً من القيادات «السُنيّة» أكثر وضوحاً من هذا الالتباس الذي نعيشه، ففي حال مخيّم نهر البارد اتّخذ الجيش اللبناني قراراً وطالب المدنيين بمغادرة المخيّم ليتمكّن من قتال تنظيم «فتح الإسلام» الإرهابي والقضاء عليه، وهكذا كان، ونتساءل لماذا لا تبادر القيادات «السُنيّة» في البلد ـ والتي نكاد نشعر أنّ معتدليها يخشوْن متطرفيها ـ إلى اقتراح خروج مؤقتٍ لأهل «عرسال» من بلدتهم، وللمدنيين السوريين من النازحين الذين لجأوا إليها، لتمكين الجيش اللبناني من مواجهة «داعش» وإرهابها، وعلى الأقلّ، هكذا، لن يعود المدنيّون في «عرسال» رهينة وقوعهم بين ناريْن، ولن تكون يدُ الجيش مغلولة خوفاً على أرواح المدنيّين؟!
إنّ أيّ خروج منظّم لأهالي «عرسال» من بلدتهم، وكذلك للنازحين السوريين يؤمّن انتقالهم بجديّة إلى أماكن لائقة في قرى محيطهم البقاعي، ونقل النازحين السوريين وتوزيعهم على أماكن تجمعات أخرى للنازحين بمعرفة الجيش والقوى الأمنية، سيتيح للجيش اللبناني فرصة إغلاق الحدود البقاعية في وجه «داعش»، وسيسحب فتيل الفتنة المذهبيّة والتحريض اليومي على «عرسال» وأهلها، ثمّ إنّ الخروج المنظّم الآن في وقت التوتر، أفضل بكثير من الخروج الاندفاعي في لحظة قد تنزلق فيها الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، وبكلّ أسف الحكومة متقاعسة جداً في الموضوع «العرسالي»، تترك المبادرة ولا تحتاط للأسوأ الذي يلوح في الأفق اللبناني!!
ونقول: من غير المقبول ولا الجائز أن يبقى الجيش اللبناني واقفاً على جبهة تستنزفه فيما الجميع يتفرّج، وما تفجير الأمس إلا «افتتاحيّة دمويّة» للمشهد المقبل إن استمرّ الحال على ما هو عليه، ومن غير المقبول وعلى أبواب الشتاء أن يُترك أهل «عرسال» في حال «نصف حصار» قد يتحوّل إلى حصار كامل في حال ازداد الوضع سوءاً ، وهو مرشّحٌ لذلك، فكلّ الإشارات تدلّ على خريف وشتاء غير مطمئن في «عرسال» قد يمتدّ إلى القرى الشيعيّة المجاورة، فتندلع عندها نيران فتنة سيدفع الجيش اللبناني فيها أثمان تفوق طاقته ويكون فيها عالقاً بين طرفيْن لبنانيين.
وهنا؛ نحن لا نلوم الحكومة اللبنانيّة ولا رئيسها، وندرك تماماً حجم «كرة النار» اللبنانيّة الملتهبة الموضوعة بين يديه، في ظلّ فراغ رئاسي وبرلماني مخيف، ولكنّنا في نفس الوقت، نطالب الحكومة بأن ترفع رأسها قليلاً لتنظر أبعد من ملفّ «قنبلة النازحين النووية»، والتي يشعر معها اللبنانيون بأن الاحتلال السوري عاد إلى لبنان، وبشكلٍ أخطر بكثير هذه المرّة، مما كان عليه في سنوات الحرب والوصاية، وأن تنظر الحكومة أبعد قليلاً من ملفّ التفاوض عبر الوسيط القطري مع «داعش» لإنقاذ أرواح جنود الجيش اللبناني، نطالب، ولمرّة واحدة، بإجراءات تحسبيّة لا بدّ منها، حتى لا تفاجأ الحكومة بنزوح هائل لبناني ـ سوري من عرسال، نطالب بـ»خطّة طوارئ» عاجلة تضعها الحكومة بالاتفاق والتعاون مع كلّ القوى الأمنية وعلى رأسها الجيش اللبناني، فحتى لو أسفرت المفاوضات مع «داعش» عن إطلاق سراح الجنود اللبنانيّين، على الحكومة وعلى جميع المسؤولين والقيادات «السُنيّة» منها خصوصاً الاعتراف بأنّ «عرسال» أصبحت «خاصرة دامية» تستنزف الجيش اللبناني وجيبٌ يتسلّل منه إرهاب «داعش»، وبابٌ تهبّ منه «رياح الفتنة»، وأقصر الطرق للتغلّب على هذه اللحظة الشائكة، هو تطبيق خطّة إخلاء الجيش اللبناني لمخيم نهر البارد ليتمكن من القضاء على الإرهاب الكامن فيه والذي حوّل المدنيّين إلى دروعٍ بشريّة في وجه الجيش اللبنانيّ.
هل تملك الحكومة خطّة طوارئ؟ نشكّ في ذلك؟! وهل قدّمت القيادات السُنيّة أكثر من دعم كلامي يُترجم كغطاء سياسي للجيش اللبناني في حربه مع الإرهاب، بالتأكيد لا، وعلى هذه القيادات أن تبادر فوراً إلى المشاركة في وضع خطّة عاجلة تكفل حلاً آمناً لأهالي «عرسال» وللنازحين السوريين فيها، وللجيش اللبناني الذي يواجه معركة دقيقة يبدو أن «الجراحة الموضعيّة» فيها لن تكون كافية أبداً!!