#adsense

سلوك حسن… وبعد !

حجم الخط

سلوك حسن… وبعد !

لا يمكن "ائتمان" السياسة اللبنانية بمجمل تركيبتها على وضع طويل المدى، ظرفيا كان أم ثابتا، وفي حقبة سلمية ام في حقبة مضطربة. وهو الامر الذي يثبته "السجل العدلي" لهذه السياسة على الاقل في السنوات الخمس الاخيرة، اي منذ عام 2004، إذا اختزلت من حسابات هذا الواقع "الحقبة السورية" السابقة للتمديد للرئيس السابق اميل لحود.

تبعا لذلك تبدو مرحلة تشكيل الحكومة الجديدة برئاسة النائب سعد الحريري اشبه بنفق لا يؤتمن معه على اي تكهن ثابت خصوصا مع ازدياد الانطباعات المعممة بان هذه المرحلة قد تستهلك الصيف لتحط رحالها عند ايلول المشارف على خريف استحقاقات معظمها متصل بأفق اقليمي مثقل بملامح تحولات كبيرة ان في مسألة "التفاهمات" العربية – العربية او في ملف عملية السلام في الشرق الاوسط او في الملف الايراني وما بينهما من مشتقات كلها موصولة بالتأثير على الوضع اللبناني.

ومع ان هذا الانطباع يوحي بربط الاستحقاق الحكومي ربطا محكما بالتطورات الخارجية، يرسم "الحوار الداخلي" الدائر، بين رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري والزعماء السياسيين وممثليهم في هدأة كتمان غير مسبوق في مثل هذه الاستحقاقات او سواها، احتمالات مناقضة تماما، يمكن معها توقع اي تطور غير محسوب في اي لحظة قد تخرج معها مراسيم الولادة الحكومية الى النور لو سلمنا بالمنطق الملبنن كاملا لهذا الاستحقاق.إذاً

هذا الحوار يواجه إذاً تحديا مزدوجا يمثل الوجه الاول منه التوصل الى تسوية سياسية داخلية بين الغالبية والمعارضة ليس على شكل الحكومة وتقاسم السلطة فيها فحسب بل على السياسات الحكومية التي ستتبعها مقترنة بالاتفاق على آلية القرار داخلها. ويمثل الوجه الثاني التحسب الاستباقي لمرحلة اقليمية ربما تكون عاصفة بالتحولات وتفترض شد احزمة الوقاية وشبكات الامان بالحد الاقصى الممكن لئلا يستعيد لبنان اسوأ "وظائفه" وهي وظيفة "الساحة".

افضل ما في ظاهر المخاض الحكومي الراهن هو انه يطلق عنوان حوار داخلي عميق بعيد عن التهافت على الحصص والحقائب والنزعة الجوفاء الى الوجهنة، مع ان هذه الخانة يجب ان تبقى محسوبة في ثنايا مفاوضات الكواليس الجارية والتي ستظهر لاحقا الى العلن.

اما اسوأ ما في هذا المخاض فهو ان يعجز افتراضا عن الذهاب بهذا الحوار الى نهاية معقولة ومنطقية زمنيا بحيث يتمدد الى مواقيت بعيدة تحمل الصفة الاقليمية الطاغية فيبدد فضل الحوار الداخلي وفوائده المرتجاة في لبننة الاستحقاق ويرميه تاليا بالكامل في الحاضنة الخارجية ولو زورا.

فصحيح ان الرئيس المكلف ليس مقيدا بمهلة دستورية لاتمام مهمته، لكن لبنان لا يتحمل ترف الانتظار الطويل المفتوح ولو شكّل تدفق مليوني سائح (مع كل المبالغة الملبننة للرقم) في موسم الاصطياف علامة شغف بالمرحلة "الانتقالية" الراهنة التي تسلس القياد للناس في ادارة ظهورهم الى السياسة.

وصحيح ان "السلوك الحسن" للقوى السياسية في اقبالها على الانفتاح والتفاوض يعوض شيئا من بشاعة الطبائع القاسية، لكن ذلك لا يكفي اطلاقا في تفحص النيات الحقيقية متى تبين ان لعبة تضييع الوقت وتقطيعه تشي بتجميل الظواهر فيما كل البواطن قابعة في امكنتها لا تتبدل ولا تتغير.

إذاً معيار اللبننة الحقيقية هو في معرفة ما صرفته مدة شهر حتى الآن من التكليف في هذا الحوار المتمادي، واي مدة اخرى محتملة ومنطقية يفترض ان يستهلكها بعد، وما هي معايير هذا الحوار وحدوده وطبيعته واي موعد يمكن ان يفرج فيه عن حكومة يفترض ان تكون عنوان تحولات داخلية بالدرجة الاولى، واي مضمون لهذا الحوار في حماية النظام اللبناني؟
أقله بعد شهر، يستحق اللبنانيون معرفة بعض البواطن، ولا يعطي الموسم المفتوح لنسيان السياسة، السياسة حقا مطلقا في اكل الوقت بلا حدود.

المصدر:
النهار

خبر عاجل