تفاءلوا بتفاؤله
نزار قبّاني يسأل حبيبته في قصيدة حب من أين يا غاليتي أبتدي، وكلُّ ما فيك جميل؟
أما اللبناني، فيجد نفسه في هذه المرحلة، وكما دائماً، يسأل المواضيع الاقليمية المستجَّدة لا حبيبته طبعاً، من أين وكيف يبتدي، وكل ما فيها يتصل مباشرة ومداورة بالحالة اللبنانيَّة التي أعيت كل مَن حاول معالجتها، ومستقبل الآتي من الأسابيع والأشهر؟
أمِنْ تأليف الحكومة العتيدة التي يصرُّ الرئيس نبيه بري على تفاؤله به، وعلى القول ان البلد ستكون له حكومة وحدة وطنيَّة تأخذ العقل وتسلب الألباب قبل نهاية هذا الشهر؟
أم من هناك، من حيث بيت القصيد وبيت الداء، من الجنوب الذي لم يعرف الاستقرار والأمان ولم يدع لبنان يهنأ يوماً منذ وطأت أرضه قدما المقاومة الفلسطينيّة، أو قدما ياسر عرفات قبل نحو من نصف قرن… وحيث يتربَّص بنيامين نتنياهو وتتربَّص بنا حكومته الدوائر؟
أم من طهران، حيث تتسارع التطورات وتتفاعل الأحداث، وبما ينبىء ان باب المفاجآت قد فتح على مصراعيه، ليفسح في المجال لاحتمالات شتّى ليس من الممكن التكهن منذ الآن بحجمها أو بالأبعاد والمتغيٍّرات التي ستترتب عليها؟
لأن كل الدروب تؤدّي الى الطاحون، وكل الأنهر تصبَّ في البحر، وكل أحداث المنطقة منذ كانت نكبة فلسطين تمر بلبنان أولاً ثم أخيراً، فليس من المستغرب، إذاً، أن يجد اللبنانيّون ان كل ما يدور من حولهم يعنيهم قبل سواهم.
وأكثر من أيّ بلد عربي آخر.
حتى وإن بدت ايران بعيدة جغرافيّاً عن العشرة آلاف وأربعمئة واثنين وخمسين كيلومتراً مربعاً، فانها موجودة "عملانياً"، وواقعيّاً، وفعلياً، في صميم الحدث اللبناني الجديد، وفي كل حدث آخر، سياسيّاً كان أم ميدانيّاً أم جنوبيّاً.
وبالطبع، ليس من الضروري ان يكون هذا الانوجاد مباشراً، وملموساً لمس اليد، ومرئيّاً بالعين المجرَّدة، أو بواسطة تلسكوب "هابل".
وإن سأل سائل ما الجامع أو القاسم المشترك بين كفرشوبا وطهران، فيما القاصي والداني يعلمان…
من هنا، وبناءً على ما تقدَّم، وتأكيداً لتداخل التطورات الأقليمية في الوضع اللبناني، والاستحقاقات اللبنانية، والسياسة اللبنانيّة، والتركيبة اللبنانيّة، وحتى تشكيل الحكومات و"تشكيل" الخلافات والأزمات، يمكن اللجوء موقتاً على الأَقل الى تنجيمات الرئيس برّي.
بل التمسُّك بها، وبالتفاؤل الذي جدَّد شبابه في تصريحاته أمس. فلربما كانت لديه العوامل والأسباب التي تجعله واثقاً من تفاؤله، وواثقاً من ان نهاية هذا الشهر لن تأتي الا وتكون الحكومة قد وقفت بكامل أعضائها أمام الكاميرا على درج مدخل قصر بعبدا لأخذ الصورة التذكاريّة.
صحيح ان المحلّلين والمعقِّبين والمطلعين يستبعدون، ويستغربون، ويضربون المواعيد ابتداء من مطلع أيلول. الا ان ما عند رئيس المجلس ليس من الضروري أن يكون عند سواه.