آخر الفرص !
لم يصل الخلاف الأميركي – الإسرائيلي حول سياسة الاستيطان في فلسطين المحتلة الى مرحلة عضّ الأصابع، لكنه يتخذ الآن وتيرة تتسم بالتحدي، وخصوصاً من حكومة المتطرفين في تل أبيب التي ترد على بيانات الاحتجاج الاميركية والاوروبية بمصادرة المزيد من الأراضي، وخصوصاً حول القدس.
وهكذا يصل السناتور جورج ميتشل الى اسرائيل بعد أيام من مغادرة مساعده فرديريك هوف، الذي كرر دعوة اسرائيل الى ضرورة وقف الاستيطان، ليجد ان حكومة بنيامين نتنياهو لم تكتف بمعارضة الدعوات الى وقف الاستيطان، بل مضت في مصادرة المزيد من اراضي الفلسطينيين بما يعمّق الهوّة ويضاعف العراقيل أمام خطة باراك أوباما لتسوية شاملة في المنطقة تنطلق من خلال مؤتمر جديد يطلق عليه البعض "مدريد 2".
❑ ❑ ❑
ومن الواضح ان نتنياهو يقاتل أوباما على جبهتين:
جبهة المصادرات والاستيطان رغم الاحتجاجات الاوروبية المتصاعدة، وجبهة الدوائر الصهيونية في الولايات المتحدة الاميركية التي كان أوباما قد اجتمع مع 15 من قادتها لاقناعهم بأن قيام الدولة الفلسطينية أمر ضروري لإنهاء النزاعات في الشرق الأوسط ولمستقبل اسرائيل !
وقد أثار هذا الأمر حساسية شديدة في تل أبيب، فردّت سياسياً ودينياً عندما دعا نائب رئيس الوزراء دان ميريدور واشنطن الى احترام "التفاهمات الشفهية" مع إدارة الرئيس جورج بوش التي تسمح بالنمو الطبيعي للمستوطنات، زاعماً ان "الاتفاق" يلزم أوباما "لأنه اتفاق مع أميركا"، لكن وزارة الخارجية الاميركية سارعت الى نفي وجود مثل هذا الاتفاق.
ويبدو واضحاً من خلال التصريحات الاسرائيلية والتحليلات التي تنشر في الصحف، أن دائرة الخلاف آخذة في الاتساع مع واشنطن الى درجة ان ميتشل سيجد في انتظاره سلسلة من المواقف التي توجّه صفعة جديدة اليه عندما تصرّ على المضي في الاستيطان "لأن اسرائيل تتحرك انطلاقاً من مصالحها القومية وخصوصاً في القدس"، كما يقول نائب وزير الخارجية داني أيالون، او "لأن اسرائيل ليست دولة تابعة لدولة أخرى في العالم ومن حقها البناء في كل انحاء اسرائيل"، كما يزعم وزير الداخلية ايلي يشائي !
❑ ❑ ❑
دينياً، تحرك الحاخام الأكبر في اسرائيل شلومو عمار، فوجّه رسالة الى قادة المنظمات الصهيونية الذين التقوا أوباما، جعل فيها من التوراة "أوراق طابو" أو "سندات ملكية عقارية" تعطي الإسرائيليين الحق في الاستيطان في كل الاراضي الفلسطينية، متهما أميركا بأنها تخالف تعاليم التوراة عندما تطالب بتجميد حركة الاستيطان، ولكأن على أميركا ان تخضع لتعاليم التوراة، وهو ما يشكّل إهانة موصوفة للولايات المتحدة الاميركية.
عملياً، كلما تقدمت إدارة أوباما خطوة في سعيها الى إبرام التسوية في المنطقة على أساس مبدأ الدولتين، كلما تعمّدت حكومة تل أبيب إقفال الأبواب في وجه التسوية والمضي في سياسات التوسّع والعدوان التي من شأنها أن تسقط كل إمكان لقيام التسوية، وذلك عبر خلق أمر إستيطاني واقع على الأرض، وخصوصاً في القدس، يمنع التوصل الى حلّ.
❑ ❑ ❑
عشية وصول ميتشل الى تل أبيب، سارع وزير النقل يسرائيل كاتز أول من أمس الى المصادقة على قرار تغيير أسماء 2500 مدينة وقرية عربية من العربية الى العبرية، في خطوة تؤكد الإصرار على "يهودية الدولة"، بما يفتح الأبواب على عملية تهجير فلسطينيي عام 1948.
فكيف يمكن مع كل هذا الصلف والتعنّت والقرصنة والعدوان المفتوح الحديث عن مؤتمر للسلام في الشرق الاوسط تعد له إدارة أوباما ؟
مع إفتتاح الرئيس الأميركي عهده بالانغماس الجاد في أزمة الشرق الأوسط والعلاقة مع العالمين العربي والاسلامي، ارتفعت اصوات في العواصم العربية وحتى في بعض الصحف الاسرائيلية تدعوه الى الحزم مع نتنياهو اذا كان يريد فعلاً ان يدفع التسوية العالقة في المنطقة.
وثمة من دعاه الى ليّ ذراع نتنياهو وزمرته. وفي تل أبيب صدرت مطالبات باستعمال العصا الغليظة لفرض التسوية. ولكن الأمور حتى الآن تراوح في اطار أزمة تتصاعد تدريجاً بين واشنطن وتل ابيب. لكنها أزمة تفتقر الى عناصر التوازن المطلوب عندما تكون الاحتجاجات مجرّد صراخ في وجه المحتلين الذين يمضون في مصادرة الأراضي الفلسطينية، في سياق عدواني بغيض يقيم سباقاً بين التهويد والتسوية، ويصل الى حد الافتراض ان التوراة هي مجرّد سندات ملكية عقارية تعطي الاسرائيليين الحق في الاستيلاء على كل شبر من فلسطين.
بعد اكثر من ستة عقود على قيام الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين، تبدو محاولات أوباما فتح باب التسوية بمثابة آخر الفرص الممكنة لانهاء النزاع والحروب والاضطرابات في المنطقة، لكنها فرصة تحتاج فعلاً الى حزم يفرض قيام التسوية العادلة على أساس مبدأ الأرض في مقابل السلام.