
قبيل عاصفة العام 1994 التي ضربت حزب “القوات اللبنانية” وزجت برئيسه الدكتور سمير جعجع في المعتقل لأحد عشر عاماً، عمد النظام الامني اللبناني – السوري يومها الى “الترهيب والترهيب”، أكان عبر سلسلة الاغتيالات التي طالت المسؤولين القواتيين ايلي ضو، نديم عبد النور، سامي ابو جودة وسليمان عقيقي أو عبر التضييق على حركة “القوات” وموجة التوقيفات الدورية لكوادرها وفبركة ملفات لإلصاقها بـ”القوات” كقضية محاولة إغتيال الرئيس الياس الهراوي. هذا الترهيب تزامن مع ضغوط نفسية على جعجع ونصائح بضرورة المغادرة بلغت حد القول له “يا النظارة يا الوزارة”. وترافق الامر مع شعارات عمد خفافيش النظام الامني يومها الى كتابتها على الحطيان، منها شعار راسخ في ذاكرتي في شارع مار مارون الدورة وما زال حتى يومنا، ويقول: “إرحل يا جعجع… الوضع مضعضع”. وكان ما كان، فصمد جعجع…
واليوم بعد عشرين عاماً على هذه التجربة التاريخية، وبعد أكثر من أربعين عاماً على مسيرة سمير جعجع النضالية بوجهيها العسكري والسياسي، ما زال هناك بعض السذج الذين يتوهمون ان سمير جعجع و”القوات” قد تنهكهم حملات التجني بحقهم والافتراء عليهم.
بالامس، وفي الملف الامني، حاولوا زرع الشقاق بين جعجع والقاعدة القواتية، عبر الترويج عن إمتعاض واسع في صفوفها جراء تمسك جعجع بمفهوم الدولة وبالقوانين ورفضه منطق التسلح، وعبر القول ان ثمة تململاً خصوصاً في البقاع الشمالي حيث “الخزان الشعبي” للقوات من الوضع وتوسلاً لتسلح من قبل “حزب الله” والقتال خلفه. وبعد فشله في مكيدته، إنتهى الامر بفريق “8 آذار” الى عودة عن أكاذيبه والعدول عن الحديث عن “نغمة” التسلح و “هرولة” قواعد “القوات” الى أحضان “حزب الله”.
واليوم، وفي ملف الرئاسي، يحاولون مجدداً رمي كرة التعطيل في ملعب جعجع وقوى “14 آذار” بأسلوب وقح لا يمتّ الى الحقيقة بصلة. فعندما يُفقد المنطق لا يستغرب شيء. من هنا لا جديد في مقدمة “الجديد” مساء الثلثاء 28-10-2014، ولكن منعاً للتضليل نتوقف عند ما جاء في هذه المقدمة:
أولاً: “أسدٌ في معراب يحتكرُ ترشيحَ قُوى الرابعَ عشَرَ مِن آذارَ ويَجلِسُ على شاشاتِ التفلزةِ مؤتِمراً.. منتقِداً التعطيلَ الذي يشكلُ هو إحدى أبرزِ ركائزِه”. صحيح، سمير جعجع أسد يوم تجرأ وتخلى عن مستقبله العلمي فترك مقاعد الدراسة، ليتنقل كالاسد من جبهة الى أخرى ويتصدى للوحوش الكاسرة التي حاولت إفتراس الوطن. أسد يوم صعد الى القرداحة ليقدم واجب العزاء لحافظ الاسد ولم يساوم. أسد يوم صمد 4114 يوماً في المعتقل في قبر إنفرادي تحت ثالث أرض. أسد بتمسكه بروحية “ثورة الارز” وإصراره على العبور الى الدولة ورفض المساومة او المهادنة. وبالطبع سمير جعجع اسد في بشري، وفي حارة الغوارنة في انطلياس وفي عين الرمانة وفي القطارة وفي الكرنتينا وفي غدراس وفي معراب… إنه أسد في كل زمان ومكان.
ولكن في المنطق والقانون، هلا شرحت لنا “الجديد” كيف لمن يترشح جهاراً ويحضر نوابه جلسات انتخاب الرئيس مراراً أن يكون معطلاً؟! في أي قاموس وفي أي دولة يسري هذا المنطق؟! مرة يتهم إعلام “8 آذار” جعجع بأنه ملحق لآل الحريري داخل صفوف “14 آذار”، ومرة بأن جعجع يسيّر “المستقبل” ويهيمن على قرار “14 آذار” ويحتكر قرارها!!!
ثانياً: “أربعَ عشْرةَ جلسةً بأربعَ عشْرةَ تجرِيةَ ترشيح ولم يَقتنعْ سمير جعجع أنّه يسقطُ سقوطَ الإمارةِ في الشَّمال وأنّ عليه الهربَ وتركَ المسرحِ لآخرينَ ليختبروا ترشيحَهم…”. حضرة الاعزاء في “الجديد”، لا وجود لمصطلح “الهرب” في قاموس سمير جعجع. كما أنه لا يستهوي منطق “أنا أو لا أحد”، وهو بكل مسؤولية وطنية أعلن منذ اشهر من بكركي أنه مستعد لسحب ترشيحه، وكرر ذلك في أكثر من مناسبة، ومبادرة “14 آذار” تندرج في هذا الاطار.
ثالثاً: “المسوؤلية لا تقعُ عليه فحسْب وإنما على مَن يتمسّكُ به مرشّحاً منذ أولِ الفراغِ الى اليوم.. ويستعملُه للتعطيل… .. فالقضيةُ لا تكلّفُ الرئيسَ سعد الحريري سِوى عبارةٍ واحدة: شكراً لمساعيكم… مسبّبُ الفراغِ ولا أحدَ سواه لأنه يتمسّكُ بمَن لا رجاءَ منه زعيمُ تيارِ المستقبل يريدُ انتخابَ رئيسٍ للجُمهورية ويتمسّكُ بجعجع..”. لتطمئن “الجديد” العلاقة بين الحريري وجعجع علاقة ودية ومن الند الى الند، وإن إعتاد بعضهم ان يكون أداة بيد أحد أو بوقا لأحد، فجعجع ليس أداة بيد أحد كما أن مسار العلاقة التفاعلية داخل قوى “14 آذار” خير دليل، وقرار “القوات” عدم الدخول في حكومة الرئيس تمام سلام لم يجف حبره بعد.