تزامناً مع كثرة اللقاءات بعنوان المصالحات.. وتنويهاً بتمسك جعجع بالشراكة المسيحية ـ الإسلامية
"مصالحة الجبل" 2001 تبقى النموذجَ لمبادرة تحمي السلم الأهلي
مع أن لقاءات كثيرة تعقد منذ مدة سواء على مستوى قيادي أو بين القيادات و"القواعد"، وتوضعُ تحت عنوان "المصالحة"، فإن هذه اللقاءات تبقى "أقل" من "لقاءات مصالحة" في الواقع.
لقاءات هذه الأيام: "المصالحات الخائفة"
ذلك أن الحد الأقصى المحدّد لها هو "تخفيف التشنجات والتوترات"، وهي لا ترقى حتى إلى مستوى إتفاق الأطراف المتخاصمة على تحديد الخلافات وكيفية إدارتها. وعلى أهمية "الهدف النبيل" من ورائها، وهو منع إنفجار الإحتقان هنا وهناك وحماية السلم الأهلي وتعزيز ظروف الاستقرار، فلا يخفى على المراقبين والمتابعين أن "لقاءات المصالحة" هذه منحكمة ـ إلى حد كبير ـ إلى "ذاكرة" إختبار القوة الذي مورس من جانب واحد في أيار 2008 من ناحية، ومنحكمة إلى "خوف" القوى الأكثر حرصاً على السلم الأهلي من أن يجري تعريض بيئاتها وطوائفها ومناطقها لاختبار القوة مجدداً من ناحية ثانية، ومنحكمة إلى معيار القدرة لدى أحد الأطراف على ممارسة القوة في مقابل عدم القدرة وعدم الرغبة لدى الأطراف الأخرى على ممارسة القوة من ناحية ثالثة. ولا مبالغة في القول إن تلك اللقاءات، على أهمية "الهدف النبيل" من ورائها، تبدو أحياناً أقرب إلى معادلة فريق يأخذ وفريق يُعطي. أي أن الفريق الذي يأخذ إنما يأخذ موافقة الفريق الذي يعطي على التعاطي مع "أمر واقع قاهر".
مصالحة 2001: النموذج
والحق يُقال هنا، أن تنسيب اللقاءات الجارية إلى مفهوم "المصالحة"، يستدعي عودة بالذاكرة إلى "مصالحة الجبل" مطلع آب 2001، والتي لا تزال إلى اليوم تشكل النموذج الفريد للمصالحة. والحال أن "مصالحة الجبل" التي تصادف ذكراها الثامنة الأسبوع المقبل، كانت مصالحة "حقيقية"، سياسية ـ وطنية "عميقة".
في آب 2001، رعى البطريرك الماروني نصرالله بطرس صفير وزعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" وليد جنبلاط مصالحة الجبل التاريخية. ومعرفةُ سياق تلك المصالحة التاريخية وظروفها ثم المعطيات التي انعقدت حولها، تسمحُ بمقارنة جدية مع ما يجري اليوم من لقاءات تحت مسمّى "المصالحات".
مصالحة لا تفرضها "موازين القوّة"
لم يأتِ البطريرك إلى المختارة والجبل يومها "خائفاً" من وليد جنبلاط أو من سلاح لدى وليد جنبلاط يمكن أن يشكل تهديداً لمسيحيّي الجبل وأمانهم. ولم يستقبل وليد جنبلاط البطريرك "خائفاً" من سلاح "يمون" البطريرك عليه يهدد العيش المشترك في الجبل. أي لم يتمّ اللقاء في ظل "موازين قوة". إتفق البطريرك وجنبلاط على التلاقي لتحقيق مصالحة كانت يومذاك متأخرة أحد عشر عاماً على الأقل بسبب الوصاية السورية التي أسّست نفسها على إختلاف اللبنانيين وخلافهم. فكانت "مصالحة الجبل" مؤشراً إستقلالياً وسيادياً كبيراً، وقد كانت مسبوقة قبل ذلك بعام بموقف إستقلالي لكل من الكنيسة وجنبلاط. وكذلك، فإن "مصالحة الجبل" التي أتت تطوي صفحة مريرة في العلاقات اللبنانية ـ اللبنانية، إنما تمت في رحاب مشروع عنوانه الرئيسي الإستقلال.. وبدء الإنتفاضة من أجل الإستقلال، ويتضمن عنوانَين آخرَين متلازمَين مع عنوان الإستقلال: عنوان العيش المشترك الذي لا إستقلال من دونه، وعنوان الدولة، دولة الاستقلال بالعيش المشترك، بالتساوي على أساس ميثاق الطائف.
"المشروع الوطني"
في آب 2001 إذاً، لم "يأخذ" وليد جنبلاط من البطريرك ولم "يعطِ" البطريرك. وكذلك لم "يأخذ" البطريرك من وليد جنبلاط ولم "يعطِه". ولم يأخذا من أحد، من أي طائفة أخرى ولم يؤسسا لثنائية طائفية، بل بالعكس كانت المصالحة فاتحةً بإتجاه إلتقاء كل اللبنانيين ـ في وقت لاحق ـ ضمن مسيرة الاستقلال والسيادة والدولة. أي كانت فاتحة لـ"حركة" شعبية ـ سياسية ـ إستقلالية من كل الطوائف. وبإختصار، يمكن القول إن البطريرك ووليد جنبلاط "جاءا" في آب 2001، في يوم "مصالحة الجبل" إلى "مشروع وطني لبناني" مشترك. ولا يمكن ان يكون خافياً على أحد اليوم، أن المشروع الوطني المشترك هو سرّ "مصالحة الجبل"، وهو السرّ وراء إنقلاب "النظام الأمني اللبناني ـ السوري" على تلك المصالحة في 7 آب 2001.
إن هذه العودة ثماني سنوات إلى الوراء في الذكرى الثامنة لـ"مصالحة الجبل"، لا تهدف فقط إلى تظهيرها بوصفها النموذج لـ"المصالحة"، إنما تهدف أيضاً إلى الدعوة إلى تمثّل تلك المصالحة ـ النموذج في هذه الأيام.
ومما لا شك فيه أن تمثّل "مصالحة الجبل" نموذجاً، يُفترض به أن يقود إلى جعل "الهدف النبيل" من وراء اللقاءات التي يتوالى عقدُها تحت مسمّى المصالحات، مؤطّراً ضمن مشروع وطني.
مبادرة.. من جنبلاط
ومن نافل القول في هذا السياق إن ذلك يقتضي مبادرة سياسية ـ وطنية "ترفع" الأمر إلى مستوى "مشروع وطني" يحصّن السلم الأهلي "بـ" الدولة وبشروط الدولة ومرجعيّاتها. أي أن المبادرة مطلوبة كي لا تكون أي فئة مستثناة، وكي لا يبدو، ولا للحظة، أن المسألة تعني فئة أو مجموعة فئات وعلى حساب فئة أو فئات أخرى، وكي تُفتح آفاق "مجيء" الجميع إلى الدولة أو "عودتهم" إليها. وإذا كان كُثر يمكنهم أن يكونوا مبادرين، فإن زعيم "الحزب التقدمي الاشتراكي" ورئيس "اللقاء الديموقراطي" وليد جنبلاط هو في مقدّم من تُطرح عليهم مهمة المبادرة بمعناها الشامل، لا سيما أنه يضع حركته السياسية منذ مدة تحت عنوان وطني كبير هو منع الحرب الأهلية وصون السلم الأهلي.
جعجع وسيرة "إستقرار" المواقف
وبما أن المقدّمات الآنفة تستعينُ بالعودة إلى التاريخ غير البعيد للإضاءة على الحاضر والمستقبل، أي أنها تستعين بالذكرى الثامنة لـ"مصالحة الجبل"، فإن ثمة "تتمّة" تفرضها الذكرى الرابعة لخروج رئيس الهيئة التنفيذية في "القوات اللبنانية" سمير جعجع من السجن وتصادف في هذه الأيام.. وذلك "إنصافاً" للرجل.
خلال السنوات الأربع الماضية، تمسّك جعجع ـ إستراتيجياً ـ بثوابت رئيسية.
لم يحِد عن "ثورة الأرز" ومنطلقاتها وأهدافها.
إعترف بالتنوّع والتعدّد ضمن حركة 14 آذار ومارس "إعترافَه" هذا عملياً.. بل كان حريصاً كلّ الحرص على "تفهّم" إعتبارات كل حليف من حلفائه وعلى مراعاة "الحساسيات" وعلى "استيعاب" أي "اختلاف" منعاً لتحوّله إلى "مشكلة".
قرن بين موجبات السلم الأهلي وبين التعبير الجريء عن الإستقلالية السياسية.
وقرن بين دوره في تغيير توازن القوى السياسي مسيحياً من أجل إعادة الاعتبار للثوابت المسيحية، وبين تمسّكه بإصرار بالشراكة المسيحية ـ الإسلامية. بل إنه رفض بإصرار أي إبتزاز للشراكة وللعلاقات المسيحية ـ الإسلامية لأي سبب وفي أي ظرف.
بإختصار إن السيرة السياسية لـ"الحكيم" من منظور "لبناني عام" تُختصر بأنه كان ذا إستقرار على استراتجيّته.. ولم يبحث لنفسه عن أدوار من خارج "المشروع اللبناني" المتضمّن "شروط" الإستقلال والدولة والمسار الديموقراطي.
ولكلّ ذلك، ليست المناسبة فقط لتذكّر ضرورة تهنئة جعجع مجدداً بحريّته، بل للتأثير كذلك إلى أهمية دوره ـ من ضمن مبادئ "مصالحة الجبل" ـ في حفظ الشراكة المسيحية ـ الإسلامية التي ـ أي الشراكة ـ لا يحصّنها إلاّ "المشروع الوطني اللبناني" الذي لا "يأخذ" من أحد لحساب أحد.