كتب أمجد اسكندر في “المسيرة” العدد 1482:
نحن، أبناء لبنان وسائر المشرق، تتغلب الخشونة على مشاعرنا الوطنية. شيء من “الذكورة الوطنية” يضرب بقوة في ما نريده من حق وعدل وسيادة وحرية. وبكل ما يتصل بصلافة الذكورة، نندفع في شعرنا والأدب والشعارات. بالروح. بالدم. بالحديد. بالنار. وليس بغيرهم، يكتمل عقد شعورنا الوطني.
و”نحن” من أجل مَنْ نَقتَتِلْ؟ من أجل “الأرض والعرض”. ويا لهما من كلمتين جافتين.
فأرضُنا ليس فيها إلا صخر ووعر. و”عرضُنا” المقصود به ما “نمتلك” من النساء، زوجات وأخوات وعمات وخالات. “العرض”. هذه الكلمة تؤكد روحَ القبيلةِ، وتقاليدَ البداوةِ الكامنة فينا.
نادراً ما نأتي على ذكر حبيباتنا وعشيقاتنا والمُغْرَمات. فالمرأة في القاموس السياسي، هي إما كبيرة في السن أو صغيرة. في الحالين هي عاجزة وعلينا حمايتها. ليس للحبيبات منزلة في قضايا الوطن. هن غير موجودات. لا بل على العكس، الحبيبة قد تعني أحيانا أنها نقيض النضال. هي تُلهي عن الواجب! وكم من مسرحية، حضرتها صغيراً، والبطل يريد أن يذهب الى أرض المعركة وحبيبته ملقاة على رجليه لتمنعه من الذهاب! في هذه الصحراء الفكرية، وهذا اليباس النضالي، تطل منارات مضيئات. وبعيداً من لبنان، للأسف، تأتينا روايات حسناوات جميلات رقيقات يُناضلن ويُعطين معنى للنضال أعمق من المعاني “الرجالية” للنضال.
أريد وطنا كالوطن الذي تريده ماريا لسوريا الغد. هذه الطبيبة الحسناء ولِدَتْ في السجن، ثم أصبحت طبيبة! أبوها وأمها أمضيا سنوات وراء القضبان، وها هي تناضل وتشارك في ندوات عن حقوق الإنسان في بيروت لتعود الى دمشق ويكون في استقبالها رجل المخابرات. في هكذا لحظات أشعر أن “وطن ماريا” الموعود أجمل من “وطني الموؤوود”! أشعر أن نضالها أصفى. لا لشيء إلا لأنها حسناء وجميلة ولا تنتظر في غرفة النوم أن يعود “الرجل” المناضل من فتوحاته. ولا يقتصر نضالها على “جهاد النكاح”!هي امرأة ولها رأي وموقف. هي لا تطلق الرصاص، ولا تُفجِّرُ نفسها بأحد، وليست “أخت الرجال”. هي طبيبة. تضع أحمر الشفاه، وتزيّن شعرها وتبتسم. مكان الولادة: سجن بعثي. وساح النضال: حقوق الإنسان في سوريا. ويا ماريا من السجن الى السجن تعودين. ويا ماريا أن كنتِ ستُهزمين فهذا يعني أن سوريا لا تستحقك. وهذا يعني أن مشرقنا يستحق هذه القسوة وهذا التخلف وهذا الإجرام! إذهبي يا ماريا بعيدًا في أحلامك، فأحلامك أغلى ثمنا من أخصامك ومن أصدقائك معاً!
وأريد وطنا كالوطن الذي أرادته ريحانة لإيران الغد. هذه “الريحانة”، رسالتها الى أمها، قبل إعدامها، أطلقت الرصاصة على رأس النظام الإيراني. نعم سقط النظام أخلاقيا ولو استمر مئة سنة جديدة. ولن يستمر! بعد مئة سنة سنجد تمثالا في طهران لريحانة. غدا سنسمع ونقرأ عن ملايين من الإيرانيين، يعتذرون ويعتذرون لأن “إيرانيا” متوحشاً أعدم قبل مئة سنة ريحانة التي دافعت عن نفسها عندما أراد اغتصابها رجل مخابرات “نظام الملالي”. لقد سقط النظام ليس لأن ريحانة قُتِلَتْ ظُلماً، بل لأنها كانت فتاة جميلة في التاسعة عشرة من ربيعها عندما هجم الوحش عليها. ولأنها قبل إعدامها، بعد سنوات من التعذيب، كتبت كلمات بسيطة ولكنها ستهد جبال القهر والظلم. ومن يعش ير!
كتبت ريحانة: “… القاضي لم يكلف نفسه عناء النظر الى أنني وقت الحادث كان لي أظافر طويلة ومصقولة. عزيزتي شوليح (اسم أمها)، لا تبكي على ما تسمعينه الآن. في اليوم الأول الذي قام به وكيل الشرطة بإيذائي من أجل أظافري، فهمت أن الجمال ليس أمرًا مرغوبًا في هذا العصر. لا جمال المنظر، ولا جمال الأفكار والرغبات، ولا الكتابة اليدوية الجميلة، ولا جمال العيون والرؤية، ولا حتى جمال صوت جميل! لا أريد لعينيّ ولقلبي الشاب أن يتحولوا غباراً، توسلي يا أمي وبمجرد أن يتم شنقي، أن يتم أخذ قلبي والكلى والعيون والعظام وأي شيء يمكن زرعه، ويُعطى لشخص يحتاجه كهدية. لا أريد أن يعرف المتلقي اسمي ولا أريد أن يشتري لي باقة ورد. لا أريد قبراً تأتين إليه وتعانين. وامنحيني للريح لتأخذني بعيدا… العالم لم يحبنا”!
يا ريحانة ويا ماريا أنتما الحب والحق، وما حصل، وما سيأتي، ليس بأغلى وبأهم وبأجمل منكما!