المسار اللبناني أسهل من المسارات الأخرى
انسحاب إسرائيل من مزارع شبعا والغجر يؤدي إلى تطبيق الهدنة
تساءل مرجع ديني: لماذا لا يتفق اللبنانيون على تنفيذ ما تبقى من اتفاق الطائف ما داموا، على اختلاف اتجاهاتهم ومشاربهم ومذاهبهم شبه مجمعين على ذلك، فيعملون لدى الدول الشقيقة والصديقة على جعل اسرائيل تنسحب من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن شمال قرية الغجر، فيكون لبنان عندئذ قد حرر جميع اراضيه وصار في امكانه العودة الى تطبيق اتفاق الهدنة المعقود بينه وبين اسرائيل عام 1949 مع ادخال تعديلات عملية يتطلبها تغير الظروف ولا سيما ما يتعلق بعديد القوات الاسرائيلية واللبنانية الذي ينبغي ان ينتشر على جانبي الحدود في البلدين.
وأضاف المرجع نفسه انه صعب في الماضي فصل حل القضية اللبنانية عن حل قضية ازمة الشرق الأوسط لأن اسرائيل كانت تحتل جزءاً كبيراً من الجنوب وبلغ اجتياحها الاراضي اللبنانية العاصمة بيروت وحاولت ان تفرض سلاماً منفرداً مع لبنان بحيث يصبح الدولة العربية الثانية، وهي الدولة الأصغر بين الدول العربية التي توقع معها مثل هذا السلام بعد الدولة العربية الكبرى مصر، وكان من الطبيعي ان يرفض لبنان ذلك خصوصاً ان مساره مع اسرائيل كان متلازماً والمسار السوري ولا انفكاك بينهما.
اما بعدما انسحبت القوات الاسرائيلية من الاراضي اللبنانية باستثناء مزارع شبعا وتلال كفرشوبا وشمال قرية الغجر، وانتشرت قوات دولية ولبنانية في الجنوب على طول الحدود مع اسرائيل بموجب القرار 1701، فما الذي يمنع الولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي والمجتمع الدولي من السعي لدى اسرائيل كي تنفذ هذا الانسحاب فيتحقق الأمن والاستقرار للبنان اذا كانت فعلاً لا قولاً حريصة عليهما حرصها على سيادته واستقلاله وسلامة اراضيه. اذ قد يكون من الصعب ربط المسارات مع اسرائيل بعضها ببعض توصلاً الى تحقيق سلام شامل، والأسهل اتباع سياسة الخطوة خطوة التي اتبعها وزير الخارجية الاميركي سابقاً هنري كيسنجر، فتم التوصل باعتماد هذه السياسية، الى عقد اتفاق "كمب ديفيد" بين مصر واسرائيل، ثم اتفاق "وادي عربة" بين الاردن واسرائيل، وتعذر تنفيذ الاتفاقات التي عقدت بين السلطة الفلسطينية واسرائيل لأن الفصائل الفلسطينية المتشددة لم توافق عليها، فرفضت اسرائيل من جهتها تنفيذ هذه الاتفاقات ما دام تنفيذها لا يضمن لها الأمن داخل حدودها وهو الذي تقدمه على السلام لا بل انها ترفض تحقيق سلام شامل في المنطقة قبل ان يتحقق الأمن الدائم والثابت فيها. وانها لا ترى جدوى من تحقيق سلام اذا ظل مهدداً بأعمال عنف تقوم بها مجموعات وتنظيمات مسلحة لا تعترف بهذا السلام لأنها لا تعترف بوجود اسرائيل في المنطقة. فاذا كانت اسرائيل تريد ان يتحقق الامن قبل السلام فما عليها سوى ان تجعل حدودها مع لبنان هادئة وذلك بالعودة الى تطبيق اتفاق الهدنة بينها وبين لبنان الموقع عام 1949 كما جعلت حدودها مع سوريا هادئة، بموجب اتفاق فك الاشتباك وبحراسة قوات دولية، ريثما يتم التوصل الى اتفاق سلام معها وهو اتفاق لن يوقعه لبنان قبل سوريا بل معها ان لم يكن بعدها.والعودة الى اتفاق الهدنة يتطلب بموجب اتفاق الطائف تحت بند "تحرير لبنان من الاحتلال الاسرائيلي واستعادة سلطة الدولة حتى الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً" الآتي:
أ – "العمل على تنفيذ القرار 425 وسائر قرارات مجلس الامن الدولي القاضية بازالة الاحتلال الاسرائيلي ازالة شاملة، (تم ازالة هذا الاحتلال بالمقاومة).
ب – "التمسك باتفاق الهدنة الموقع في 23 آذار 1949" (لم يحترم حتى الآن).
ج – "اتخاذ كل الاجراءات اللازمة لتحرير جميع الاراضي اللبنانية من الاحتلال الاسرائيلي وبسط سيادة الدولة على جميع اراضيها ونشر الجيش اللبناني في منطقة الحدود اللبنانية المعترف بها دولياً والعمل على تدعيم وجود قوات الطوارئ الدولية في الجنوب اللبناني لتأمين الانسحاب الاسرائيلي ولاتاحة الفرصة لعودة الامن والاستقرار الى منطقة الحدود" (تم تنفيذ جزء من هذا البند).
الى ذلك، فان انسحاب اسرائيل من مزارع شبعا وتلال كفرشوبا ومن شمال قرية الغجر من شأنه ان يحقق الآتي:
1 – زوال الاسباب التي تبرر استمرار المقاومة اللبنانية واحتفاظ "حزب الله" بسلاحه وكل مجموعة اخرى بسلاح خارج الشرعية، وتصبح الدولة اللبنانية كونها الأقوى قادرة على بسط سلطتها على جميع أراضيها ولا تبقى اي منطقة خارجة عن سلطتها، كما لا يتبقى وجود لما يسمى "المربعات الأمنية".
2 – يصير في الامكان ترسيم حدود مزارع شبعا لأن سوريا تعارض هذا الترسيم بحجة الاحتلال الاسرائيلي للمزارع، وتتأكد تالياً ملكية لبنان لها التي لا تزال حتى الآن موضع جدل، كما يصير في الامكان وضعها في عهدة الامم المتحدة تمهيداً لعودة السيادة اللبنانية عليها عند التوصل الى اتفاق سلام مع اسرائيل.
3 – تزول اسباب الابقاء على مراكز مسلحة للفلسطينيين خارج المخيمات والعمل على ضبط السلاح داخلها، لأن التذرع بالخطر الاسرائيلي للإبقاء على هذا الوضع لا يعود له مبرر عندما تقوم هدنة بين لبنان واسرائيل كتلك التي تقوم واقعياً على الارض بين سوريا واسرائيل في الجولان تطبيقاً لاتفاق فك الاشتباك بينهما.
والسؤال المطروح هو: هل لاسرائيل مصلحة في ان يبدأ الحل كونه الاسهل بالمسار اللبناني فتهدأ الحدود بين البلدين، ام ان مصلحتها في بقاء هذه الحدود مضطربة وعرضة لتبادل اعمال العنف وللفعل ورد الفعل، وهذا يبرر بقاء مجموعات وتنظيمات مسلحة في مواجهة اسرائيل والبقاء في حالة حرب مع جيرانها، او لأنها تريد ان تظل محتفظة بالاراضي التي تحتلها في لبنان وسوريا وفلسطين ولو في ظل امن غير ثابت، حتى اذا ما حان وقت البحث في اتفاق سلام، تكون هذه الاراضي ورقة تفاوض ضاغطة في يدها، او لأن من مصلحتها ربط المسارات بعضها ببعض وعدم البحث في كل مسار وحده كي تبقى عملية التوصل الى سلام شامل معقدة ومتعثرة، عندما تكون مرتبطة بخلاف على حدود الجولان وبخلاف أكبر على قيام الدولة الفلسطينية وترسيم حدودها النهائية، ووقف الاستيطان الذي يقضم شيئاً فشيئاً الاراضي الفلسطينية، بحيث لا يبقى مع الوقت، للسلطة الفلسطينية ما تفاوض عليه، فتسلم عندئذ بالأمر الواقع.