أميركا وسوريا… مجدّداً ؟
وسط الكلام عن ساعات مصيرية من شأنها ان تحسم وجهة الجهود المبذولة للاتفاق على الصيغة الحكومية الجديدة في لبنان، وفيما لو قيض لهذه الجهود النجاح، او منيت بالاخفاق، سيكون امرا مشروعا البحث عن رابط خفي لكل من الاحتمالين بالانعكاسات التي تطلقها الحركة المكوكية الاميركية الكثيفة في المنطقة.
ذلك ان السذج وحدهم يمكنهم عزل اي تطور ايجابي او سلبي مقبل في لبنان عن "ام المسارات" الاصلية والفعالة في رسم وجهته وهو المسار الاميركي – السوري. ولم يكن من باب التزامنات البريئة والعفوية ان يتحرك الاستحقاق الحكومي اللبناني باندفاعة ملحوظة ثقيلة من عثاره وقيوده في لحظة ضجيج الموفدين الاميركيين الذين يملأون العواصم النافذة، ولم يبخلوا على بيروت في حلهم وترحالهم، قبل المحطة الدمشقية وبعدها، ولو حال تأخر تشكيل الحكومة دون حضور كبير المفاوضين ومبعوثيهم لعملية السلام جورج ميتشل الى العاصمة اللبنانية.
ولعل الشكليات في ظروف مشهد اقليمي ودولي مماثل تلعب دورا اكبر من المضامين نظرا الى رمزيتها القوية في لعبة اطلاق الرسائل وتعميم فحواها.
فالرئاسة اللبنانية لم تجد حرجا في الاعلان عن اتصال هاتفي، كان يمكن ان يبقى مضمرا، بين الرئيس اللبناني ونظيره السوري غداة زيارة ميتشل لدمشق واتصال الاخير بالرئيس سليمان مطمئنا الى ان اي تسوية في المنطقة لن تكون على حساب لبنان. جوهر الرمزية في الاتصالين انه بالتزامن مع التحرك اللبناني نحو ايجاد حل سحري لمسألة الثلث المعطل في الحكومة، يوحي ان الاستحقاق الحكومي لم يكن غائبا لا عن المسار السلمي في المنطقة ولا عن المفاوضات الاميركية – السورية المباشرة وغير المباشرة. وليس هناك من يساوره ادنى شك في ان الثلث المعطل يستحيل ان يسلك طريقه الى حل او تعقيد داخليين في معزل عن دمشق، ولو خدشت هذه الحقيقة الحس السيادي للمعارضين، مثلما يخدش اي ضغط اميركي على دمشق او تفاهم معها حيال لبنان الحس السيادي للغالبية.
إذاً في المشهد الناشئ عن الحركة الاميركية وتمركز رسائلها "عن بعد" على ضرورة تهيؤ لبنان وجهوزه لكي يكون لاعبا وليس ثمنا كما يؤكد الاميركيون. يصعب القول ان اي اختراق في الاستحقاق الحكومي او اي انهيار في الجهود السياسية لن يكونا متفلتين على الاقل من تقدم ربما يكون جوهريا تحقق على المسار الاميركي – السوري او تعثر لا يزال يصطدم به مشروع التفاهم الجديد بحيث يكون لبنان واستحقاقه الاختبار المتقدم والاولي في كلا الاحتمالين.
اما مقياس التقدم او الاخفاق، فمرهون في الاستحقاق الحكومي بطبيعة الموقع الذي سيحتله رئيس الجمهورية في التركيبة الحكومية العتيدة.
في لغة الرمزيات تعمدت رئاسة الجمهورية، على ما يبدو، اظهار توازنها و"توافقيتها" حتى في كفتي العلاقات مع الولايات المتحدة وسوريا. فالاعلان المقتضب عن الاتصالات الرئاسية بكل من الرئيس بشار الاسد وجورج ميتشل، الرئيس بادر الى الاتصال بنظيره السوري عقب تلقيه الاتصال من ميتشل. بذلك يوحي الرئيس انه "الضامن" للتنسيق الدائم مع سوريا في مسألة السلام ولا يضير لبنان اطلاقا ان يحصل على "ضمان" اميركي من الا يأتي السلام على حسابه.
في اللغة السياسية "المسيّلة" الى وقائع وحصص، اي تقدم اميركي – سوري في سائر الملفات يفترض ان يمر بلبنان عبر موقع الرئاسة الاولى وجعلها نقطة لتقاطع التفاهمات والمصالح في قلب صفحة الازمات وتحضير لبنان لتلقي موجات السلام او التحصن ضد احتمالات الفشل. عند هذه النقطة يفترض ان تدور المفاوضات الحاسمة المقبلة في الاستحقاق الحكومي الذي يبدو أن اولى الاستحقاقات الاقليمية الكبرى التي دهمته باتت الدافع الرئيسي للتعجيل في بثه وحسمه وعندها يبدأ حساب الربح والخسارة في الميزان الداخلي. وهنا للحديث صلة.