حتى لا يتحول "الثلث" إلى عُرف
قوى 8 آذار أو قسم منها على الأقلّ تنصب فخاً للأكثرية النيابية.
ولنترك جانباً اللهجة العاقلة التي تلبست هذه القوى فجأة بعد مرحلة التخوين التي وضعت الأكثرية وزعماءها في مصاف عملاء إسرائيل، فهي نوع من إظهار الوجه الحسن في حين أن الأمر ليس كذلك.
فما هو الفخ الذي تنصبه جماعة الأقلية التي تبدو وكأنها تابت عن معاصيها بتكفير كل من لا يجاريها ؟ إنه عرقلة تأليف الحكومة إلا إذا استطاعوا الحصول على الثلث المعطّل. والغاية ليست فقط عرقلة أعمال الحكومة العتيدة التي يريدون لها الإخفاق ليصموا زعيم الأكثرية بالفشل في أول تجربة حكومية له. ذلك أن الأمور أبعد من ذلك.
إنها محاولة لخلق عُرف في الحياة السياسية اللبنانية قوامه عدم دستورية تأليف حكومة إلا إذا ضمّت الأكثرية والأقلية معاً من جهة، وكان للأقلية الحق المعطّل لاتخاذ القرارات من جهة أخرى.
إن حكومات الاتحاد الوطني تنشأ في ظروف استثنائية، فالقاعدة أن تحكم الأكثرية وتعارض الأقلية، وهي عملية ديموقراطية تشكّل مكسباً للمواطنين في الدول الديموقراطية، لأن دور الأقلية سيكون عندها رقيباً على كل مخالفات قد تقوم بها حكومة الأكثرية، بحيث "تعدّ تلك الحكومات حتى العشرة" قبل الإقدام على مخالفات دستورية، أو تقوم بتحميل المواطنين أعباء يجب ألّا يتحملوها لأنها تعلم أن الأقلية لها بالمرصاد. ومن مصلحة هذه الأقلية الكشف على كل العورات الحكومية ليمكّنها ذلك من تحقيق نجاحات في الولاية البرلمانية المقبلة بحيث تتحوّل هي إلى أكثرية نتيجة لعبها هذا الدور، أو على الأقل سيكون بإمكان هذه الأقلية العمل على إسقاط الحكومة في الشارع عبر فضح مخططاتها التي لا تأخذ في الاعتبار مصالح المواطنين، خصوصاً فقراءهم وأبناء الطبقة المتوسطة منهم. والاستثناء يقع عندما تكون هناك ظروف خطر على البلاد تستدعي تفاهم الأكثرية والأقلية على حكم البلد معاً لكي لا تُترك فرصة للقوى الأجنبية التي لها مخططات ليست في مصلحة البلد لتمرير مخططاتها بوقوف جميع اللبنانيين بمختلف تلاوينهم السياسية جبهة واحدة في وجه الخطر المحدق بالبلاد، الأمر الذي يستدعي تشكيل حكومة وحدة وطنية من الأكثرية والأقلية.
الأقلية الحالية تحاول أن تقلب القاعدة فتجعلها حكومة الوحدة الوطنية ولو لم تكن الظروف تستدعي تأسيس هذه الحكومة، وتضع شرطاً لمشاركتها فيها هو حصولها على الثلث المعطّل، في حين لا يوجد في البلاد أية عوامل تستوجب تشكيل مثل هذه الحكومة، إلا إذا اعتبرنا أن عداءنا لإسرائيل يستوجب ذلك وطالما أن الإحتلال الإسرائيلي لا يزال قائما لقسم من لبنان. وهذا من شأنه أن يؤدي إلى استمرار تشكيل حكومات وحدة وطنية فالاحتلال لا يزال يرزح على قسم من مزارع شبعا ولو كانت هذه المزارع خالية من السكان.
ونتيجة لذلك المنطق إن جميع الحكومات التي ستشكّل ضمن الولاية البرلمانية الحالية يجب أن تكون حكومات وحدة وطنية وتحوز فيها الأقلية على الثلث المعطّل. وذلك سيخلق شئنا أم أبينا عرفاً دستورياً يجعل من الصعب مستقبلاً مخالفته.
لقد صرّح وزير الخارجية القطري وهو راعي اتفاق الدوحة الذي أنتج الحكومة الحالية، أن اتفاق الدوحة انتهى مع إجراء الانتخابات الجديدة في لبنان. وما كان صالحاً قبل ذلك لم يعد صالحاً الآن. وهذا يعني أنه لم يعد من ضرورة لتشكيل حكومة تضمّ الأكثرية والأقلية ولتسر العملية الديموقراطية في وجهتها الصحيحة.
على صعيد آخر، فإن المواطن اللبناني هو الذي يخسر من قيام حكومات الوحدة الوطنية، فالمساومات بين الأطراف المتصارعة فيها بين أكثرية وأقلية ستكون على حسابه. إذ لن يعود ثمة رقيب على أداء السلطة التنفيذية، فالجميع شركاء فيها ولن يكون دور المجلس التشريعي غير دور "المطبّل والمزمّر" لأداء السلطة التنفيذية. وإذا نشأت تناقضات في الحكومة بين الأكثرية والأقلية فستكون تناقضات ثانوية تتمّ المساومة عليها بتوزيع الجبنة بينهما.
هل كان يمكن برأيكم أن يمرّ قرار فرض ضريبة 18 الف ل.ل. على سعر صفيحة البنزين لو لم يتوزّع أركان الأكثرية والمعارضة الجبنة السياسية بشأنها؟
لو كانت الأقلية في المعارضة لما تجرّأت الحكومة على فرض ضريبة كهذه تكسر ظهر المواطن لأنها كانت ستعلم أن الأقلية المعارضة ستمنعها من ذلك، وقد تسقطها في الشارع بإرادة ديموقراطية.
فحذار حذار من الفخ الذي تحضّر له المعارضة من فرض عرف دستوري تكون بموجبه جميع الحكومات حكومات وحدة وطنية تتمثّل فيها الأكثرية والأقلية ويكون للأخيرة الثلث المعطّل.