تجمع كافة المعاجم اللغوية على تفسير عبارة الاستقلال بأنها حالة تحرر ابناء وطن ما من نير احتلال او انتداب او استعمار اجنبي غاصب.
ولكن ما غفلت عنه المعاجم تلك تعريف استقلال ابناء الوطن من تبعيتهم للاجنبي شرقاً او غرباً – وحالة الاستقلال النفسي والفكيري الوطنيين قبل استقلال التراب الوطني – لان التراب تراب لا يستقل الا باستقلال ابناء هذا التراب.
فالسؤال الذي يطرح اليوم: هل الاستقلال نظرية فلسفية ام فعل ممارسة؟ للجواب لا بد من التوقف عند الآتي:
اولاً: الشرط الاول لأي استقلال لأي وطن اقتناع ابناء هذا الوطن بأنهم مستقلون واصحاب وطن مستقل. فمن يصنع الاستقلال على مر تاريخ الامم والشعوب ليس التراب ولا النصوص بل النفوس المستقلة والارادات المتحررة والافكار النهضوية. ما يعني ان الاستقلال يبدأ اولاً من داخل نفوسنا لينعكس تحريراً للوطن وتحرراً لابناء الوطن من سطوة الاجنبي وغطرسته. لكن المشكلة عندنا في لبنان، ان ثمة من بين ابناء هذا الوطن من لا يؤمن حقيقة بوجوده لا في العقيدة ولا في الممارسة ولا في الانتماء ويرفض فوق كل هذا ان يكون هذا الوطن ملازه ومقصده بدايته ونهايته…
ثانياً: الشرط الثاني لأي استقلال ان يكون ابناء الوطن هم مستقلون في ارائهم وافكارهم وولاءاتهم، وهنا الطامة الكبرى عندما نرى فريقاً واسعاً من اللبنانيين ينتظرون من الخارج اجندات الولاء والفعل وعدم الفعل غير ابهين بالوطن ومصالحه العليا ولا بالشعب ومصالحه ولا بالمؤسسات الدستورية ودورها… ويتحدثون مع ذلك عن الدستور واحترام الدستور ويطالبون بتفسير مواد دستورية استسابياً، فيما مواد اخرى اكثر وضوحاً وفصلاً وجزماً يتت تجاهلها والقفز فوقها… إن الاستقلال يبدأ من القناعات والفكر – فعبثاً نبني استقلاًلاً طالما ان قناعات البعض وافكارهم مفطورة على التبعية والارتهان الى خارج الحدود… بالامس كانوا يقولون لنا ان الشعبين اللبناني والسوري شعب واحد في بلدين، فتبين ان حبهم لسوريا ما هو الا تبعية لنظام وليس اقتناعاً بحب شعب شقيق… بالامس كانوا يتكلمون عن وحدة مسار ومصير، فتبين مع الوقت ان الوحدة المقصودة هي وحدة مصالح نظام واحد واستراتيجيات نظام واحد وتحالف محور واحد على حساب مصالح لبنان واستقلاله وسيادته… بانت كذبتهم… وبان خداعهم … وفضحوا وجوههم ونفوسهم … فلم يكونوا الا عبيداً عند اسيادهم خارج الحدود… وما زالوا يمعنون تبعية وارتهاناً وخيانة للوطن الام…
ثالثاً: اما الشرط الثالث للاستقلال فهو الشعور بالفخر بالانتماء لوطن وهوية – فعندما خاض اباؤنا عام 1943 معركة الاستقلال الاول – كانوا ممتلئين فخراً واعتزازاً بانتمائهم الى لبنان الواحد – لا شرق ولا غرب – جاء في الميثاق… فتنازل المسلم عن تبعيته للشرق وتنازل المسيحي عن تبعيته وولائه للغرب، فكان لبنان… اما اليوم فنرى فريقاً لبنانياً – لا يعر بالفخر بوطنه الا بقدر ما يخدم وطنه فخر الاخرين… ولا يشعر تجاه وطنه بعزة الا بقدر ما يخدم وطنه عزة الاخرين… ولا يؤمن بديمومة وطنه الا بقدر خدمته ديمومة الاخرين… فالاستقلال اذا لا يزال بعيداً منا… طالما بقي لبنانيون يعتزون ويفخرون باستقلالهم عن الوطن…
