*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.

كتبت أوغيت سلامة في مجلة “المسيرة” – العدد 1415:
تؤامان للوفاء والنُبل والعطاء اللامتناهي… هو الشيخ فريد حبيب “شيخ الشباب” كما يسميه كل من عرفه، وهي ماري زوجته “ست الستات أيضًا” لقب مسكوب عليها سكباً.
هو فارقنا مرتاحاً متمماً واجباته القواتية، فالقوات عادت الى الأيدي الأمينة، الى قائدها الحكيم ورفاقه. وهي على ذكراه تتذكّر مشوار النضال الى جانب من إعتبرتها إبنة غالية، الزوجة “القبضاي” كما تحب أن تلقب ستريدا جعجع، طيلة 11 عاماً من الظُلم وأكثر.
تستعيد اللحظات الصعبة، يمرّ أمام عينيها الملونتين شريط الذكريات حزيناً بالمحطات السود، أبيض بالإنتصارات التي لم تتحقق برأيها لولا القدرة الألهية التي كانت تسهر على الحكيم وستريدا و”القوات” بكل شبابها، ولا تنسى منهم أغلى الشباب على قلبها، فريد الذي إختارته أكبر منها سنًاً، وتؤكد أنها لو تزوجت شاباً بسنها لما عاشت كل هذا الشغف والحب.
عن أعوام كانت فيها الساحات للرجال الرجال والسجون للأبطال الأبطال كانت جلسة مع السيدة ماري حبيب أرملة الشيخ النائب فريد حبيب في منزلهما في عوكر وكانت هذه الوقفات التي تعتبرها أوسمة على صدرها هي وفريد حبيب “القلب”.
خلال 11 سنة بقي الشيخ فريد الى جانب ستريدا من دون ان تزحزحه اي ضغوط. كان يخصص من الساعة السابعة الى التاسعة مساء كل يوم للذهاب الى بيت سمير جعجع في يسوع الملك ولقاء ستريدا وتفقد احوالها.
اذكر عندما أوقف الحكيم في غدراس وكانت نحو الخامسة من بعد الظهر، أحسست أن همّ فريد ساعتذاك كان يتمحور على فكرة واحدة فقط وهي أن يصل الحكيم الى حيث يأخذونه بخير وسلامة. كان خائفًا عليه من أي محاولة اغتيال على الطريق. وعندما إطمأن الى أنه بات في وزارة الدفاع، توجهنا فورًا الى غدراس لنرى ستريدا.
في المرة الأولى لم يُسمح لنا بالدخول الى مقر الحكيم ولا في اليوم التالي، ممنوع، حتى اليوم الثالث أذنوا لنا بالدخول وكنا أنا وفريد وبهيج عبود. العبور الى حيث ستريدا كان رهيبًا، فتشونا بطريقة لا يصفها عقل، ونحن لا حول لنا… كنا نبتسم لهم بكل الأسى الذي في قلوبنا. أنزلونا من السيارة عند أول طلعة غدراس، تعرفون كم هي طويلة وشاقة تلك الطلعة. كان علينا أن نمشي نحو البيت بحثًا عن ستريدا. عندما وصلنا الى فوق صُدمنا للمشهد الذي رأيناه، كأننا في مكان مهجور، كل شيء مقلوب رأسًا على عقب، الأوراق منثورة أرضاً، أبواب المكاتب مشلّعة… رحنا ندور في المقر من دون أن نلمح أحدًا لنسأله عن ستريدا لنطمئن عليها الى أن وجدناها ومعها شقيتها دنيز، في تلك اللحظة عانقناها، لا بل تعانق جمعينا ورحنا نبكي… (وتعود الدموع الى عيون ماري).
وحدها بقيت فوق، وكلما سألنا عن أحد من الشباب كانت تقول لنا أخذوه، أوقفوه… “قشّوا” كل الشباب ولم يتركوا أحدًا. معها أختها دنيز فقط.
(تختنق.. تبكي…) لا أستطيع أن أتذكر ذاك اليوم، بقيت ستريدا وحدها فوق… كم كان عمرها حبيبتي!؟ كانت في العشرينات، أول عمرها، ووحدها في ذاك البيت في مواجهة الكل. أهالي الشباب كانوا يأتون للسؤال عن أبنائهم وكنت أراها صلبة صامدة. ( يعلو صوتها وتردّد) كانت طفلة! كم كان عمرها 24 أو 25 عامًا؟!! من بداياتها كانت صلبة وقوية.
بعد ذلك قالوا إن أصحاب منزل غدراس يريدون إسترداده، فرِحنا نفتش عن بيت آخر… قيل لنا أن هناك منزلًا في منطقة يسوع الملك لجهاد سماحة يمكن أن نستأجره، وهكذا صار إلا أن الضغوط على أهالي الحي أدت الى تنظيم عريضة ترفض جيرة ستريدا زوجة سمير جعجع، ومع ذلك لم يفعلوا شيئًا ولم يوّقع الكل على العريضة.
أنا وفريد كنا نذهب يوميًا لرؤية ستريدا، وكان لفريد دوام ثابت من السابعة الى التاسعة مساء كل يوم، يشاطره هذه “الوردية” أبو لبنان، رحمه الله توفي هو الآخر بالإضافة الى جوزف فضول من بريسات، كان فريد يقول لها “المهم ان ترتاحي انت نحن سنستقبل عنك”. كان فريد حريصاً على أن يبقى بيت سمير جعجع مفتوحاً للجميع، وكان يعتبر نفسه والداً لستريدا ويخاف عليها كما لو كانت ابنته. لذلك كان يرافقها أينما ذهبت ويقف سنداً لها في أي موضوع أو موقف أو تجاه الثرثرات التي كان هدفها تشويه سُمعتها إستكمالاً للمؤامرة على زوجها. لكن فريد كان يردد كل مرة “ما بيصح إلا الصحيح” وهكذا بالفعل إنتصر الحق.
وتكمل السيدة ماري شريط الذكريات… سيجارة أخرى وسلسلة من التنهيدات…
وضعوا حاجزًا فوق البيت وآخر تحته. الضغط الذي تعرضت له ستريدا لا يوصف، كنا إذا دعينا الى عشاء عند أصدقاء مثلاً يحبون سمير جعجع ويريدون تكريم زوجته، تلاحقنا سيارة المخابرات. كنا نقول لهم “حرام عم تتعذبوا”. سيارة “ب. أم” كانت تلاحقنا دائماً كان العناصر داخلها يجنون إذا أضاعونا. وعندما نعود كنت أقول لهم على الحاجز ممازحة “تعبتم يا شباب هذه الليلة”.
عند الحاجز كانوا يقرّفون زوار ستريدا من التفتيش وإحتجاز الهويات واللعب على الأعصاب والإذلال، ومع ذلك كان عدد الزوار يزيد!! هي زوجة سمير جعجع كيف يمكن أن نتركها وحيدة؟!!
تعرفين ان كثيرين ممن كانوا يُسَمون قيادات الصف الأول في “القوات” ما عادت رأت أحداً منهم. كلٌ كان يطمع بقيادة “القوات” في غياب الحكيم. فجاء فريد وقال لستريدا “يا ابنتي انت وحدك القادرة على إطلاق زوجك من السجن ولا احد غيرك، الجمرة لا تحرق الا مكانها. بقوتك وصلابتك وتصميمك انت ستخرجين سمير جعجع من سجنه”.
قد يخال من يقرأ أن السيدة ماري لعبت دور الزوجة الوفية لقضية زوجها، لكن حين يكمل القراءة يدرك أن الظلم الذي شهدت عليه والذي طال الحكيم وزوجته ستريدا بات القضية الأولى التي تشغلها الى جانب تربية ولديها. وتكمل:
كنا أنا وفريد ودنيز شقيقتها وأنطوانيت جعجع وإدي ابي اللمع وزوجته نجلس معها وهي تبكي وتقول “متى سيخرج وكيف السبيل الى ذلك؟” في إحدى المرات كانت تبكي على كتفي، قالت لي “انت تعتبرينني إبنتك اليس كذلك؟ لو كانت إبنتك مكاني بماذا كنت نصحتها؟” فأجبتها ” أكملي ما بدأت به أنت قبضاي وقادرة”. فردّت “وهكذا سيكون لن أتراجع”.
في حين تنكّر معظم الاصدقاء ومن كان يقال عنهم مقربون من الحكيم، وفي حين خاف آخرون من تهمة أن يكونوا “قوات لبنانية” بقي فريد حبيب وزوجته أوفى الناس، لم يخافا، لم يتردّدا، لم يفتشا عن مصلحة في مكان آخر أقل وجعًا للرأس، لماذا؟ لماذا إختارا الطريق الأصعب؟
ماري حبيب تجيب: لأن من لا يعرف فريد حبيب لا يعرف أنه من النوع الذي لا يهرب من المسؤولية ولا يمكن أن يسكت عن الظلم. فكيف اذا لحق الظلم بسمير جعجع أحب الناس اليه؟
قبل إعتقاله أذكر أن الحكيم كان يردّد “فريدان لا أريد ان أسمع صوتهما الآن، لا أريد أن أسمعهما بعد يردّدان إذهب سافر…”. وكان يعني “الفريدان” والده فريد جعجع وفريد حبيب اللذين كانا يضغطان عليه ليأخذ زوجته ويترك البلد، ليسافر الى أي مكان في هذا العالم قبل أن يقع المحظور. كان هذا مطلبهما لأنهما كانا يخافان عليه ويعرفان جيداً ما كان يُضمر له من شرّ وما يحاك له من مؤامرات. أما هو فكان يقول “يا فريد من يذهب ويترك كل شيء خلفه ينتهَ”. وكان جواب فريد دائمًا “أنت قادر على تنظيم الأمور من الخارج المهم أن تكون في مأمن”. وإجابة الحكيم كانت ثابتة: “يسواني ما يسوا الشباب أنا لست أفضل منهم”.
عندما كان الحكيم في السجن جاءت ستريدا وقالت لي: “أتودين زيارة الحكيم”، فأجبت فوراً بالتأكيد، علماً أنني طيلة المحاكمات لم أنزل الى المحكمة لأنني لا لم أكن أستطيع أن أراه يُحاكم ظلماً وبهتاناً. لكن عندما قالت لي ستريدا أن الزيارة مسموحة لم أتردّد. وطلبت مني ان أدخل أولًا وأتمنى عليه أن يأكل أكثر لأنه كان هزيلًا جدًا. عندما دخلت الى غرفة الزيارة رأيت أمامي مارداً هزيلًا فتح يديه على مداها وضمّني قائلًا: “أهلًا بالمرمورة، ولووو كل هذه المدة من دون أن تزوريني؟”، فقلت له: “أنت تعرف يا حكيم الآن سمحوا لنا بالزيارة”.
كانت الزيارة بعد عشر سنوات سجن، حينها بدأوا يسمحون بالمواجهة من دون الحاجز الزجاجي، فجلسنا معه انا وستريدا ودنيز وكانت حينها حرب العراق وبما أن الأحاديث بالسياسة كانت ممنوعة بدأ يسألني عن الأولاد فقلت له أن زياد ابني سافر للعمل في الكويت فاعترض، وقال: “كيف تركتموه”، فقلت له انه تلقى عرضاً مغرياً فذهب وكانت مناسبة لنخبره عما يجري هناك بحجة الحديث عن زياد.
أذكر أنني مازحته كثيراً وكنت كل كمّ دقيقة أقول له “فينا نبوس يا حكيم؟” وأعود لأضمه وأقبّله. وقبل أن تنتهي الزيارة قلت له لو عرفت أنهم سيسمحون لنا برؤيتك لكنت أعددت لك صينية كبّة، فرد “لا تهتمي نأكلها عندكم في البيت إنشالله”. وهكذا كان عندما خرج بعد سنة ونصف وبعد إحتفال ذكرى حلّ الحزب زارنا في بيتنا في عوكر وأكل الكبة التي يحبها وذكّرني بالوعد!
شرف لنا أننا كنا الى جانب ستريدا طيلة الأيام العصيبة. فريد كان رجلاً مبدئياً ولا يمكن أن تكون المصلحة أساساً لأي موقف يتخذه، والويل كان لمن يتناول ستريدا بكلمة، خصوصاً ممن كانوا يعترضون على دورها في “القوات”، مع أنها كانت تكرّر دائماً: “أنا لست قائداً للقوات بل صِلة وصل بين قائدها والقواتيين”. وفعلاً كانت على مستوى المسؤولية و”قدّها وقدود” جمعت الشباب وحافظت على الأمانة التي عادت وسلّمتها للحكيم فور عودته من السجن.
وصلنا الى وقت ما عادت ستريدا تجرؤ على إستقبال أحد في بيت يسوع الملك، فكان هذا البيت بديلاً للقاءات السياسية مع جورج حاوي مثلًا ودوري شمعون والمحامين الموكلين للدفاع عن الحكيم. كان هذا بيت ستريدا. أذكر خلال لقائها دوري شمعون سمعته يقول لها “لو كان لدي أدنى شك أن للحكيم علاقة بأغتيال داني لما كنت هنا”.
رفقة الأيام الصعبة توِّجت بيوم الفرح الكبير يوم براءة الحكيم وخروجه من السجن السياسي، تتذكّر ماري وتروي: كنا في يسوع الملك وكان هناك شخص دخل مع زوجي الى البرلمان وفتح “سبيكر” الهاتف لنسمع نحن نتيجة التصويت، وعندما أعلنت البراءة لا يمكنني أن أصف ماذا حصل ومن أين زحف الناس الى بيت الحكيم. دبكة وشمبانيا وزغاريد… كان يوم فرح لا يوصف بكلمات. بعدها وصل نواب القوات، ستريدا وايلي كيروز وفريد حبيب وجورج عدوان وطوني زهرا، لا أنسى مشهد نزولهم من السيارات وموج الناس في إستقبالهم.
بالنسبة لماري كان يوماً عظيماً: تلك اللحظة توجت النضال الطويل للوصول الى البرلمان بغية الضغط من الداخل لإطلاق الحكيم بعدما كانت صفة “القوات” كالمرض المعدي وكل من كان يقترب منا او يستقبلنا كانوا يستجوبونه كما لو كنا إرهابيين. الى هذا الحد وصلت بهم الفظاعة. زوجي إستدعوه مرة وطلبوا منه التوقف عن التعاطي في السياسة ووقّع على محضر بأنه لن ينشط في السياسة، إلا أنه بعد مدة وللصدف إنتخب نائباً عن الكورة!! (وتضحك كثيرًا).
رفيق الروح، الحبيب الذي كانت تناديه “يا حياتي” تقول عنه وبعد غياب سنة:
فريد حبيب لم يكن من السياسيين البارعين في بيع الكلام والتسويق لأنفسهم، بل كان من النوع الذي يعمل وينجز وينفذ من دون ثرثرة وشعارات، كان لفريد جرأة غريبة، كان مثل السيف لا يلوي ولا يسمح لأحد أن يكسر خشم الشباب ويوصيهم دائمًا أن يكون رأسهم مرفوعاً.
بعد خروج الحكيم إرتحنا لأن ستريدا لم تعد وحيدة، وعاد اليها زوجها. الوفاء من سمات ستريدا وبيت فريد حبيب بالدني بالنسبة إليها.
في العام 2005 قال فريد لستريدا: “لا أريد أن أترّشح إختاري غيري”. إلا أنها أصرّت عليه كما هو أصرّ عليها أن تترشح في بشري بعد أن كانت رافضة، كي لا يقال ان زوجها في السجن وهي تترّشح للنيابة، وكان يكرر عليها “وحدك ستخرجين زوجك من السجن لا تسمعي لأحد!”. وهي كانت واثقة جداً.
عندما كنا ننتظر صدور الحكم في قضية الكنيسة دخل الى البيت المحامي إميل رحمه آتيا من المحكمة ونحن مجتمعين على أعصابنا، بادرنا فوراً قال” يبدو أن الحُكم سيكون مؤبدًا”، وكان والد الحكيم موجودًا (أبو جوزف)، فقلت لنفسي “يا دلّلي أنا”، رأيت الدمعة في عيون فريد زوجي، ورأيت أنطوانيت جعجع بدأت تجهش بالبكاء وتنهار، فنهرتُها وقلت لها “ممنوع ننهار!!!”، أما ستريدا فكانت واثقة من أن الحكم سيكون براءة وكانت الأقوى بين الجميع. وهكذا كان وصدر الحُكم بالبراءة.
ماذا تغير بسمير جعجع من 1994 الى الآن؟ تجيب مرمورة كما يسميها:
ما زال حكيماً بكل ما يفعله، وبحسب إعتقادي كان مع الحكيم قدرة إلهية، ليس سهلاً أن يعيش إنسان بالإنفراد 11 سنة مع كل الضغط الذي مورس عليه ويخرج بكل هذا الصفاء الذهني. هذا الإنسان إستثنائي والتاريخ سيشهد.
*لأن السجون تعبت من صلابتهم ولم يتعبوا، ولأن الساحات ضاقت بنضالاتهم ولم يستكينوا، ولأنهم بيومياتهم وكل من موقعه أكملوا لوحة الـ 4114 يوماً التي رسمها سمير جعجع بالايمان والصمود والرجاء، ينشر موقع “القوات اللبنانية” الالكتروني بالتعاون مع مجلة “المسيرة” ما عرضته في خانة “سجون وساحات” من حكايات رفاق ستبقى خالدة في وجدان القضية.