سوريا تظهر في البُعد الخارجي مسهّلة للولادة الحكومية
قيود الرئيس المكلّف تبدأ بتسمية كل فريق لوزرائه
في البعد الخارجي لتأليف الحكومة "باعت" سوريا الولايات المتحدة الاميركية غداة استقبالها المبعوث الاميركي لعملية السلام جورج ميتشل فك عقدة الحكومة اللبنانية، فتحلحلت امورها مطلع الاسبوع فور انتقال الديبلوماسي الاميركي من دمشق الى تل ابيب. وبذلك اظهر المسؤولون السوريون حسن نية تزامن مع حسن النية او اللفتة التي قدمتها واشنطن الى سوريا برفع بعض العقوبات عنها في ما يتعلق ببيعها قطعاً للطيران. ويمكن ان تكون سوريا "باعت" الخطوة نفسها من المملكة العربية السعودية ايضا التي بات استكمال خطوات الانفتاح بينهما ينتظر انجاز الاستحقاق الحكومي اللبناني في المدى المنظور. فقبل ايام قليلة كانت المعارضة تصر على الثلث المعطّل وترفض تعيين وزير اضافي في حصة رئيس الجمهورية الذي كان اكد رغبته في تسمية وزير لا يشكل استفزازا للمعارضة لقاء التخلي عن الثلث المعطل. وبذلك تظهر سوريا مرة جديدة حيال الخارج انها ساهمت في تسهيل تأليف الحكومة اللبنانية ولم تتدخل فيها عملا بما قاله وزير خارجيتها وليد المعلم اكثر من مرة ان بلاده لم تتدخل في الانتخابات النيابية ولن تتدخل في تأليف الحكومة لكنها حصدت ارتياحا وانفتاحا اكبر من الخارج اوروبيا واميركيا وعربيا ايضا لقاء ما اعتبر عدم تدخلها في الانتخابات. وبدأت تقطف ايضا، وعلى نحو مسبق في موضوع تأليف الحكومة.
وفي البعد الداخلي لهذا التأليف "باعت" سوريا مساهمتها في فك العقدة الحكومية من رئيس الجمهورية العماد ميشال سليمان عبر الاتصال الهاتفي الذي اجراه الرئيس اللبناني بنظيره السوري بشار الاسد، اذ لقيت مقاربة سليمان في اختيار الشخص الذي يثق به بديلا من الثلث المعطل ارتياحا ترجم بت موضوع الصيغة الحكومية، علما ان ذلك لا يمنع وجود عوامل اخرى داخلية من بينها ان المخرج الذي طرح من خلال هذه الصيغة هو اقصى الممكن واقصى ما يمكن ان تحصل عليه المعارضة ولا يمكن الطلب اكثر من ذلك.
هذا الواقع تعتبره مصادر سياسية معنية مؤسفا الى حد بعيد. ولكن ليس خافيا ان الواقع الميداني السياسي لا يقدم خيارات كثيرة. فبعد تكليف النائب سعد الحريري تأليف الحكومة برز الخيار في اتجاهين: الاول ان تذهب الاكثرية الى تأليف حكومة وحدها على اساس الانتصار الذي حققته في الانتخابات النيابية، او ان تذهب الى خيار اشراك الافرقاء الآخرين وفق ما اعلن الرئيس المكلف منذ اللحظة الاولى بعد اعلان نتائج الانتخابات. ولكن في ظل المشاركة التي اضحت السقف للحكومة المقبلة والذي لا يمكن الحريري ان يحيد عنه رغبة منه في رأب الصدع الذي نشأ في الاعوام القليلة الماضية، ارتفع سقف الشروط على قاعدة ميزان قوى على الارض يفترض اخذه في الاعتبار، بحيث بدا محسوما ان المعارضة اقرت بخسارتها في الانتخابات وفوز خصومها فيها، لكنها لم تعترف في الواقع بنتائجها من حيث ضرورة التزامها مفاعيل هذه النتائج، وهي سعت الى تكريس ذلك في الحكومة صيغة اولاً، ثم في نوعية الوزراء والحقائب التي تطالب بها، ولاحقا في البيان الوزاري.
وهاتان النقطتان تشكلان تحديا بالنسبة الى الرئيس المكلف الذي يعتبر كثيرون انه قيّد نفسه من خلال اعلانه من قصر بعبدا، وعلى اثر لقائه رئيس الجمهورية، ان كل فريق يسمي وزراءه. اذ ان اختيار الاشخاص يؤثّر بالدرجة الاولى في نوعية الحكومة وادائها فضلا عن ان تسمية كل فريق وزراءه يضعف موقع رئيس الجمهورية الذي يفترض ان يكون له رأي في جميع الوزراء الذين سينضوون الى الحكومة ما دام هو من سيوقع المراسيم المتعلقة بتشكيل الحكومة وليس تسمية ثلاثة وزراء فقط يعودون اليه، باعتبار ان الوزيرين الاخيرين من حصته يوافق عليهما آخرون. والرئيس المكلف نظراً الى تجربته يحتاج الى وزراء من نوعية جيدة وعدم التساهل بهذه النوعية لانها ستكون في النهاية حكومته، ولان الاقلية ستحاول ان تأتي قوية الى الحكومة التي اضحت اشبه ما يكون بـ"اللويا الجيرغا" على الطريقة الافغانية وفق ما يتفق على ذلك غالبية السياسيين الذين وان كانوا يبررون ما يحصل بالقول ان للظروف احكاما، فإن اتجاه لبنان الى هذا النوع من الديموقراطيات التوافقية بات يدفع نحو ضرورة التفكير بمؤسسات تتناسب مع هذه الصيغة العشائرية اذ لا حاجة عندئذ ربما الى مجلس نواب او سوى ذلك من المؤسسات الديموقراطية. لكن التحدي الراهن يكمن في عدم تساهله في نوعية الوزراء خصوصا من جهة حلفائه لان الحكومة قد تكون مقبلة على معارك سياسية لا يحتاج فيها الى تكنوقراط بقدر ما يحتاج الى سياسيين يتمتعون بالخبرة.
وفي النقطة المتعلقة بالبيان الوزاري لفت المصادر المعنية موقف للرئيس نبيه بري قبل ايام اعتبرت هذه المصادر انه يندرج في اطار الضغوط الاستباقية للخروج بصيغة محددة في البيان، خصوصا في النقاط التي هي موضع خلاف بين الافرقاء علما ان هذه النقاط تقف في المرحلة الراهنة بين حدين احدهما تجاهلها من ضمن العموميات المبدئية المعروفة، وخصوصا ان موضوع سلاح "حزب الله" محال على طاولة الحوار في المبدأ ولن يناقش على طاولة مجلس الوزراء، والآخر اعتماد صيغة البيان الوزاري للحكومة السابقة باعتباره الحد الممكن من التوافق الذي لا خلاف عليه.