#adsense

كلمة البابا فرنسيس الى النواب الأوروبيين في ستراسبورغ الثلثاء 25 تشرين الثاني 2014

حجم الخط

سيدي الرئيس، حضرات السيدات والسادة نواب الرئيس،

سعادة النواب الأوروبيين،

حضرات العاملين وأصحاب الألقاب المختلفة في هذا الصرح،

أيها الأصدقاء،

اسمحوا لي أن اشكركم على دعوتي للتحدث أمام هذه المؤسسة الأساسية في حياة الاتحاد الأوروبي وعلى الفرصة التي أعطيت لي للتحدث من خلالكم الى أكثر من خمسمئة مليون موطن ينتمون الى البلدان الـ28 التي تمثلونها. وأود أن أعرب عن خالص امتناني لرئيس البرلمان وشكره على كلمات الترحيب الودية التي وجهها لي باسم جميع الأعضاء.

تأتي زيارتي بعد أكثر من ربع قرن على الزيارة التي أتمها البابا يوحنا بولس الثاني. تغيرت أمورٌ كثيرة منذ ذلك الحين في أوروبا كما في العالم كلّه. فاختفت الكتلتان المتنازعتان اللتان قسمتا القارة الى جزئين وباتت الرغبة في ان “تبني أوروبا المتمتعة بسيادتها مؤسسات حرة تنتشر حسب المقاييس التي اعدتها لها الجغرافيا وأكثر بعد التاريخ” (1) تتحقق ببطء.

فإلى جانب اتحاد أوروبي أكبر، يظهر عالمٌ أكثر تعقيداً وفي تحركٍ مستمر. عالمٌ لا ينفك يزداد ترابطاً وعولمةً وبالتالي يبتعد أكثر فأكثر عن كونه أوروبي التوجه. وإزاء أوروبا أكثر سيطرةً وأكثر نفوذاً، تظهر صورة قارة تبدو عليها ملامح التقدم في السن والضغط، تميل الى الشعور انها لم تعد بطلة الرواية في سياقٍ ينظر اليها في أغلب الأحيان من بعيد وبريبة وبعين الشك في بعض الأحيان.

وأود من خلال تحدثي معكم اليوم وانطلاقاً من مهمتي الرعوية ان انقل الى جميع المواطنين الأوروبيين رسالة رجاءٍ وتشجيع.

إنها رسالة رجاء مبنية على الثقة ان باستطاعة الصعوبات ان تصبح محفزاً قوياً للوصول الى الوحدة من أجل التغلب على جميع المخاوف التي تعترض أوروبا والعالم بأسره ورسالة رجاء باللّه القادر على تحويل الشر خيراً والموت حياةً.

انها رسالة تشجيع للعودة الى قناعة الآباء الذين أسسوا الاتحاد الأوروبي الراسخة والذين أرادوا مستقبلاً مبني على القدرة على العمل معاً من أجل تخطي الانقسامات وتغليب السلام والتعايش بين جميع شعوب القارة. وتمحور هذا المشروع السياسي الطموح حول الثقة بالإنسان لا كمواطن أو عامل اقتصادي بل كانسان يتمتع بكرامة سامية.

وأود بدايةً ان اشدد على الصلة الوثيقة الموجودة بين هذَين المصطلحَين: “كرامة” و”سامية”.

يُعتبر مصطلح “الكرامة” الكلمة المفتاح التي ميزت فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. ويتميز تاريخنا المعاصر بالمركزية الثابتة لتغليب الكرامة البشرية في وجه أنواع العنف المتعددة والتمييز التي لم تغب حتى عن أوروبا على مر القرون.  وأتى تصور أهمية حقوق الانسان نتيجة مسارٍ طويل تخللته معاناة وتضحيات متعددة ساهمت في ترسيخ الطابع الثمين والفريد للكائن البشري الغير قابل للتكرار. ولا يستند هذا الوعي الثقافي الى الأحداث التاريخية وحسب إنما أيضاً وبشكلٍ خاص الى الفكر الأوروبي الذي يتميز بلقاءٍ غني لمصادر مختلفة يرقى أقدمها الى “اليونان وروما مروراً بالثقافات الجرمانية والسلافية والمسيحية التي ضربت فيها جذوراً” (2) لينبثق عنها مفهوم “الفرد”.

ويلعب اليوم احترام حقوق الانسان دوراً مركزياً في التزام الاتحاد الأوروبي تغليب كرامة الانسان داخل الاتحاد كما في علاقاته مع البلدان الاخرى. إنه لالتزامٌ مهمٌ ومثيرٌ للاعجاب إذ لا يزال الانسان يُعامل في حالاتٍ كثيرة وكأنه أداة من الممكن برمجة تكوينها وتشغيلها ومنفعتها قبل ان تُرمى بعيداً حين ينتفي سبب وجودها إذ اصبحت ضعيفة أو مريضة أو عجوزة.

فعن أي كرامةٍ نتحدث عندما تغيب امكانية التعبير بحرية عن الأفكار أو ممارسة الدين دون أي قيود؟ وأي كرامةٍ نصبو إليها دون إطارٍ قانوني واضح يحدد مجال القوة ويُغلب القانون على ظغيان السلطة؟ وأي كرامةٍ يتمتع بها رجلٌ او امرأة تُعاني من كل أشكال التمييز؟ وأي كرامةٍ قد يتمتع بها يوماً من لا غذاء بين يدَيه ومن يفتقد الى ادنى مقومات العيش – أو وأخطر بعد – الى العمل اللائق؟

يعني الترويج لكرامة الفرد الاعتراف بأنه يتمتع بحقوق غير قابلة للتصرف لا يستطيع البعض حرمانه منها تعسفاً أو لتحقيق مآرب اقتصادية.

ولكن من الضروري توخي الحذر لكي لا نقع في التباس قد ينتج عن سوء فهمٍ مرتبطٍ بحقوق الانسان واساءة استعمالها. في الواقع، نشهد اليوم مطالبةً متزايدةً بحقوق الفرد تخفي في طياتها مفهوم الانسان البشري المنفصل عن أي سياق اجتماعي وأنثروبولوجي في ما يُشبه “الكائن الاحادي الخلية” الذي لا ينفك لا يُبالي بالكائنات الاخرى الاحادية الخلية الموجودة حوله. ويبدو ان مفهوم الواجب – وهو بأهمية مفهوم الحق ومكمل له- لم يعد يُؤخذ بالحسبان إذ يتم التأكيد في نهاية المطاف على الحقوق الفريدية دون الأخذ بعين الاعتبار ان كل كائن بشري مرتبط بسياقٍ اجتماعي تكون فيه حقوقه وواجباته مرتبطة بحقوق وواجبات الآخرين وبخير المجتمع العام.

لذلك، اعتقد انه من المحوري اليوم وأكثر من أي وقتٍ مضى التشديد على ثقافة حقوق الانسان القادرة على الجمع بحكمة بين البعد الفردي أو الشخصي بالخير العام وبهذه الكتلة التي تجمعنا جميعاً كأفراد وعائلات ومجموعات وسيطة تلتقي جميعها ضمن إطار المجتمع (3). في الواقع، ان لم ينسجم حق الفرد مع الخير العام، ينشأ دون حدود ويصبح بالتالي مصدر نزاعٍ وعنف.

يعني التحدث عن كرامة الانسان السامية العودة الى طبيعة الانسان وقدرته الفطرية على التمييز بين الخير والشر أي العودة الى هذه البوصلة المطبوعة في قلوبنا والتي طبعها اللّه في العالم الذي خلقه (4). يعني ذلك النظر الى الانسان لا على اعتباره كائناً مطلقاً بل كائناً يمد جسور التواصل مع الآخرين. ألاحظ ان اكثر الأمراض انتشاراً اليوم في أوروبا هي الوحدة، وحدة من فقد كلّ رابطٍ بالآخرين. نلاحظها بشكلٍ خاص في أوساط المتقدمين في السن الذين غالباً ما يُتركون لمصيرهم وفي صفوف الفقراء الذين يعيشون في مدننا كما نلاحظها في نظرات المهاجرين الفارغة وهم أتوا الى هنا بحثاً عن مستقبلٍ أفضل.

وفاقمت الأزمة الاقتصادية التي لا تزال آثارها قائمة حتى الآن وتابعاتها مروعة على المستوى الاقتصادي من هذه الوحدة. فخلال السنوات الماضية وتزامناً مع توسع الاتحاد الأوروبي، ازداد انعدام ثقة المواطنين بالمؤسسات التي اعتبروها بعيدة عنهم ومنشغلة في وضع قوانين اعتبروها إما لا تراعي خصوصيات بعض الشعوب أو مضرة بالكامل.

نلمسُ في كل مكان شعوراً بالتعب والشيخوخة وكأن أوروبا أصبحت طاعنة في السن بعد ان كانت مثمرة ومفعمة بالحيوية. وبالتالي، يبدو ان المثل العليا التي الهمت أوروبا تخسر شيئاً فشيئاً من جاذبيتها لصالح تقنية مؤسساتها البيروقراطية.

ويُضاف الى ذلك أنماط حياة أنانية بعض الشيء يُميزها بذخٌ بات لا يُطاق لا يُبالي في أغلب الأحيان بمحيطه وبالأكثر فقراً. ونلاحظ بأسف سيطرة المواضيع التقنية والاقتصادية على النقاش السياسي وذلك على حساب التوجه الأنثروبولوجي الأصيل (5). ويتعرض الانسان الى خطر معاملته وكأنه سلعة استهلاكية جاهزة للاستخدام لدرجة – وهذا ما نلاحظه للأسف غالباً – القضاء على حياته دون تردد كبير عندما تنتفي منفعتها وهذه هي حال المرضى في مراحل مرضهم الأخيرة أو العجزة المتروكين من دون رعاية أو الأطفال الذين يُقتلون قبل ان يولدون.

من الخطأ السماح “بسيطرة حكم التكنولوجيا المطلق” (6) الذي يوّلد في نهاية المطاف “التباساً بين الغاية والوسيلة” (7) وهي نتيجة “ثقافة المخلفات” الحتمية و”عقلية الاستهلاك المفرط”. وعلى العكس، يؤدي التأكيد على كرامة الانسان الى الاعتراف بطبيعة الحياة البشرية الغالية التي تُقدم لنا مجاناً ولا يمكن بالتالي مقايضتها والمتجارة بها. وأنتم مدعوون من خلال عملكم البرلماني الى تحقيق مهمة كبيرة على الرغم من انها قد تبدو غير مجدية وهي الاهتمام بهشاشة الشعوب والأفراد. يعني الاهتمام التحلي بالقوة والحنان والحنان والخصوبة وسط نموذج يحتكم الى الوظائف والخصخصة ويؤدي لا محالة الى ارساء “ثقافة المخلفات”. ويعني الاهتمام بهشاشة الشعوب والأفراد الاحتكام الى الذاكرة والتسلح بالرجاء كما يعني الاهتمام بالانسان كما هو في حالته الأكثر اقصاءً وصعوبةً وتسليحه بالكرامة (8).

كيف عسانا نُعيد الأمل بالغذ لكي نُعيد احياء الثقة وسط أجيالنا الصاعدة أولاً فتتحقق مثل أوروبا العليا لتغدو قارة موحدة تعيش بسلام، قارة مبدعة ومغامرة، تحترم الحقوق وتُدرك الواجبات؟

اسمحوا لي للإجابة على هذا السؤال الاستعانة بصورة. تُجسد احدى اللوحات الأكثر شهرةً لرافاييل والموجودة في الفاتيكان ما يُعرف بمدرسة أثينا. نرى وسط اللوحة أفلاطون وأرسطو. يُشير الأول باصبعه الى الأعلى أي الى عالم الافكار أو قد نقول السماء في حين يمد الثاني يده نحو الأمام، نحو من يرى، نحو الأرض أي نحو الحقيقة الملموسة. تُجسد بالنسبة لي هذه الصورة خير تجسيد أوروبا وتاريخها الذي خطه التلاقي المستمر بين السماء والارض، حيث تُشير السماء الى الانفتاح نحو اللّه وهو أمرٌ دائماً ما ميّز الانسان الأوروبي وتمثل الأرض قدرة هذا الأخير العملية والملموسة على تخطي المشاكل والصعاب.

إن مستقبل أوروبا منوط بإعادة اكتشاف هذا الرابط الحيوي والمتين بين هذَين العنصرَين. فتواجه أوروبا في حال باتت غير قادرة على الانفتاح على البعد السماوي للحياة خطر خسارة نفسها شيئاً فشيئاً وخسارة “روحها الانسانية” التي تحبها وتدافع عنها.

وأود انطلاقاً من التشديد على أهمية الانفتاح على الجانب المتسامي ان أؤكد على مركزية الكائن البشري الذي يجد نفسه تحت رحمة الأنماط والسلطات الآنية. ولذلك، اعتبر ان الإرث الذي تركته المسيحية في الماضي من أجل بناء القارة اجتماعياً وثقافياً بالغ الأهمية إضافةً الى مساهمتها اليوم وفي المستقبل في نمو القارة. ولا تُشكل هذه المساهمة خطراً على علمانية الدول ولا على استقلالية مؤسسات الاتحاد بل تشكل على العكس غنى خاصةً وان المثل التي بُنيت عليها تؤكد ذلك وهي السلام والمؤازرة والتضامن وهي مثلٌ انسانية تتمحور حول احترام كرامة الانسان.

أود في هذا الإطار ان اعرب مرة جديدة عن جهوزية الكرسي الرسولي والكنيسة الكاثوليكية من خلال لجنة مؤتمرات الأساقفة الأوروبيين من أجل الشروع في حوارِ مفيد، منفتح وشفاف مع مؤسسات الاتحاد الأوروبي. كما وأنني على ثقة ان أوروبا القادرة على الاستفادة من جذورها الدينية وحصد ثرواتها وامكانياتها، تحصن نفسها بسهولة أكبر في وجه المتطرفين الذين يملؤون عالم اليوم وفي وجه تصحر الأفكار الذي نشهده في الغرب لأن “نسيان اللّه لا تمجيده هو ما يُعزز العنف”. (9)

لا يسعنا هنا سوى ان نذّكر بالظلم الكبير والاضطهادات التي تستهدف يومياً الأقليات الدينية وخاصةً المسيحية منها في أرجاء مختلفة من العالم. تتعرض جماعات كثيرة وأفراد للعنف الوحشي فيُطردون من منازلهم وأوطانهم ويُباعون كعبيد ويُقتلون، يُذبحون، يُصلبون ويُحرقون أحياء وسط صمت الكثيرين المخجل والمتواطئ.

إن شعار الاتحاد الاوروبي هو الوحدة في التنوع إلا ان الوحدة لا تعني اتساقاً سياسياً واقتصادياً وثقافياً وفكرياً. في الحقيقة، تنبع استدامة الوحدة حقيقية من غنى الكيانات المختلفة التي تشكلها: كالعائلة التي تزداد وحدةً عندما يتمكن افرادها ودون أن خوف ان يُعبر عن نفسه. وفي هذا الإطار، انظر الى أوروبا كعائلة للشعوب يشعر فيها هؤلاء ان مؤسسات الاتحاد قريبة منهم  بقدر ما تنجح في الجمع بين الوحدة التي نصبو إليها وتنوع مكوناتها وفي تثمين التقاليد الخاصة وأخذ التاريخ والجذور بعين الاعتبار والتحرر من التلاعب والكراهية. يعني التركيز على الكائن البشري السماح له قبل كل شيء بالتعبير عن صورته وابداعه على مستوى الأفراد كما على مستوى الشعوب.

ومن جهة أخرى، تُشكل خصائص كل فرد غنى حقيقي عندما توضع في خدمة الجميع وعلينا دائماً العودة بالذاكرة الى تركيبة الاتحاد الاوروبي المستندة الى مبادئ التعاون واللامركزية لتغليب المساعدة المتبادلة والمضي قدماً بثقة متبادلة.

وتتطلب ديناميكية الوحدة – التميّز هذه منكم حضرات السيدات والسادة أعضاء البرلمان الأوروبي المحافظة على شعلة ديمقراطية الشعوب الأوروبية متقدة.  ومن المعروف ان توحيد مفهوم الكونية يؤثر على حيوية النظام الديمقراطي ويُضعف نقاش المنظمات والأحزاب السياسية الغني والمثمر والبناء.

ويعرضنا ذلك لخطر العيش في حكم الأفكار والكلمة والصورة والمغالطة… والخلط بين واقع الديمقراطية والتيارات السياسية الجديدة. يتطلب المحافظة على الديمقراطية في أوروبا تفادي “سبل العولمة” الآيلة الى تمييع الحقيقة:  الأصولية الملائكية، استبدادية النسبية، الأصوليات غير التاريخية، الأخلاقيات غير الطيبة والعقلانية غير الحكيمة (10).

ويُعتبر المحافظة على واقع الديمقراطيات حياً تحدي في هذه اللحظة التاريخية خاصةً لجهة تلافي استبعاد قوتها الحقيقية – القوة السياسية التي تعبر عن الشعوب – إزاء ضغوطات المصالح المتعددة الجنسيات وغير العالمية التي تضعفها وتحولها الى نظم مالية موحدة في خدمة إمبراطوريات غير معروفة. فهذا هو التحدي الذي يضعه أمامكم التاريخ.

لا يعني اعطاء الرجاء لأوروبا الاعتراف فقط بمركزية الكائن البشري بل يتطلب أيضاً تعزيز قدراته والاستثمار في المجالات التي تطور مواهبه وتُثمرها. ويُعتبر التعليم أول المجالات ويبدء من العائلة، الخلية الأساسية والعنصر الثمين في كافة المجتمعات. إن العائلة المتوحدة والمثمرة والمتماسكة تحمل معها العناصر الأساسية لتعطي املاً بالغد والمستقبل. فمن دون هذه الركيزة، نبني على الرمل وتابعات ذلك خطيرة على المستوى الاجتماعي. ومن جهةٍ أخرى، لا يُساعد التركيز على العائلة على توسيع آفاق الأجيال الصاعدة ومدها بالأمل وحسب بل أيضاً الطاعنين في السن المجبرين على العيش وسط الوحدة والتخلي إذ فقدوا دفء المنزل العائلي القادر على مساعدتهم ودعمهم.

ونذكر الى جانب العائلة المؤسسات التربوية أي المدارس والجامعات. ولا يجوز ان ينحصر التعليم بتلقين سلسلةٍ من المعلومات التقنية بل يجب ان يعمل على تطوير الفرد على مختلف الأصعدة. يطلب شباب اليوم الحصول على تعليمٍ ملائم وشامل يسمح لهم النظر الى المستقبل برجاء بعيداً عن الأوهام. وتجدر الإشارة الى ان قدرات أوروبا الخلاقة في مجالات مختلفة على صعيد البحوث العلمية عديدة ومنها ما لم يتم اكتشافه بالكامل بعد. يكفينا على سبيل المثال التفكير بمصادر الطاقة البديلة التي من شأن تطورها ان يساهم الى حدٍّ كبير في حماية البيئة.

لطالما كانت أوروبا أول المدافعين عن البيئة والملتزمين قضيتها. تحتاج أرضنا الى الاهتمام الدائم والرعاية ولكلٍ منا مسؤولية في حماية الخليقة وهي هبةٌ قيّمة وضعها اللّه بين يدّي الانسان. يعني ذلك ان الطبيعة في متناول أيدينا وانه باستطاعتنا الاستفادة منها وتسخيرها للاستخدام الجيد إلا ان ذلك يعني أيضاً اننا لا نملكها. نحن أوصياء عليها إلا اننا لا نملكها وبالتالي علينا ان نحبها ونحترمها في حين “نميل في أغلب الأحيان بفعل كبريائنا الى السيطرة والامتلاك والتلاعب والاستغلال فلا “نحافظ عليه” ولا “نحترمها” ولا نعتبرها هبة مجانية من الواجب صونها” (11).ولا يعني احترام البيئة تلافي تشويهها وحسب بل ايضاً استخدامها لتحقيق الخير. وأفكر هنا تحديداً بالقطاع الزراعي المدعو الى تقديم الدعم والغذاء للانسان. فمن غير المقبول ان يموت الملايين جوعاً في حين تُرمى اطنان من المواد الغذائية يومياً في بيوتنا. ويُذكرنا واجبنا في احترام الطبيعة ان الانسان جزءٌ لا يتجزء منها ولذلك نحن بحاجة الى جانب ايكولوجيا بيئية الى ايكولوجيا انسانية مبنية على احترام الانسان.

إن المجال الثاني حيث تُزهر مواهب الانسان هو العمل. لقد آن الأوان للترويج لسياسات فرص العمل إلا انه من الضروري أيضاً إعادة الكرامة الى العمل من خلال ضمان الشروط الملائمة لتكريسها. ويتطلب ذلك إيجاد سبل جديدة من أجل دمج مرونة السوق بمقتضيات الاستقرار وضمانة فرص العمل الضرورية لنمو العاملين الانساني كما ويتطلب ارساء سياق اجتماعي مناسب لا يسعى الى استغلال الناس بل الى ضمان – من خلال العمل – امكانية بناء اسرة وتعليم الأطفال.

بالإضافة الى ذلك، من الضروري ان نواجه معاً مسألة الهجرة فمن غير المقبول ان يتحول البحر المتوسط مقبرةً! تضم القوارب التي تصل يومياً الى الشواطئ الأوروبية نساءً ورجالاً بحاجة الى الترحيب والمساعدة ومن شأن غياب الدعم المتبادل داخل الاتحاد الأوروبي ان يُشجع على ايجاد حلول ذات طبيعة محددة للمشاكل لا تأخذ بعين الاعتبار كرامة المهاجرين وتشجع على الاسترقاق والتوترات الاجتماعية المستمرة. قد تستطيع أوروبا مواجهة الاشكاليات المرتبطة بالهجرة إن تمسكت بهويتها الثقافية ونفذت القوانين المناسبة القادرة في الوقت نفسه على حماية حقوق المواطنين الأوروبين وضمان استقبال المهاجرين وان عرفت اعتماد السياسات المناسبة والشجاعة والملموسة التي تساعد بلدان المهاجرين على التطور اجتماعياً وسياسياً وعلى حل النزاعات الداخلية – وهي أساس هذه الظاهرة – عوض انتهاج سياسات المصلحة التي تفاقم هذه النزاعات وتغذيها. من الواجب العمل على الأسباب لا على الآثار وحسب.

سيدي الرئيس، أصحاب السعادة، السيدات والسادة النواب،

ادراك الهوية ضروري لانتهاج حوار مستقبلي مع الدول التي طلبت الانضمام الى الاتحاد الأوروبي في المستقبل وأخص بالذكر دول البلقان التي من شأن انضمامها الى الاتحاد الأوروبي ان يحقق السلام في منطقة عانت كثيراً من نزاعات الماضي. وأخيراً، ادراك الهوية ضروري في العلاقات مع البلدان الجارة خاصةً تلك الواقعة على ضفاف المتوسط والتي تعاني من النزاعات الداخلية وضغوط الأصولية الدينية والارهاب العالمي.

فمن واجبكم كمشرعين حماية الهوية الأوروبية وانمائها لكي يستعيد المواطنون الثقة بمؤسسات الاتحاد والمشروع الأساس أي مشروع السلام والمحبة.  وعلماً انه “كلما كبر نفوذ الانسان، توّسع حقل مسؤولياته الشخصية والمجتمعية” (2) أدعوكم الى العمل لكي تعود أوروبا الى اكتشاف نفسها الطيبة.

كتب أحدهم في القرن الثاني ان “المسيحيين يمثلون الروح بالنسبة للجسد” (13). إن دور الروح هو في دعم الجسد فتكون له الوجدان والذاكرة التاريخية. ويربط تاريخٌ يرقى الى آلاف السنين أوروبا بالمسيحية وهو تاريخٌ لم يسلم من النزاعات والأخطاء إلا أن الرغبة في بناء الخير هي التي لا طالما حركته. هذا ما نراه من خلال جمال مدننا واعمال الخير والبنيان المشترك المنتشرة عبر القارة. ولا يزال أمام هذا التاريخ صفحات بيضاء يخطها. فهو حاضرنا كما هو مستقبلنا وهو هويتنا وتحتاج أوروبا الى اعادة اكتشاف وجهها للنمو والتطور وفقاً لروحية آبائها المؤسسين بسلامٍ ووئامٍ إذ هي ليست بمنأى عن النزاعات.

حضرات النواب ، لقد آن الأوان لكي نبني معاً أوروبا تدور لا حول الاقتصاد بل حول قدسية البشر والقيم غير القابلة للتصرف، أوروبا التي تحضن بشجاعة ماضيها وتنظر بثقة الى مستقبلها لعيش حاضرها برجاء. لقد آن الأوان للتخلي عن فكرة أوروبا الخائفة والمنطوية على ذاتها لكي تعود أوروبا محور الاحداث وناقلة العلم والفن والموسيقى والقيم البشرية والإيمان أيضاً. أوروبا التي تتأمل السماء وتلتزم بمثلها وأوروبا التى تتأمل الانسان وتدافع عنه وتحميه وأوروبا التي تمشي على الأرض الآمنة والصلبة فتكون المرجع الثمين للبشرية جمعاء!

شكراً.

(1)                   يوحنا بولس الثاني، خطاب أمام البرلمان الأوروبي، 11 أكتوبر 1988، رقم 5

(2)                   يوحنا بولس الثاني، خطاب أمام الجمعية البرلمانية لمجلس أوروبا، 8 أكتوبر 1988.

(3)                   مراجعة. بندكتس السادس عشر، المحبة الحقيقية، رقم 7 – الدستور الرعائي “الكنيسة في عالم اليوم” رقم 26

(4)                   خلاصة العقيدة الاجتماعية للكنيسة، رم 37

(5)                   مراجعة فرح التبشير، رقم 55

(6)                   بندكتس السادس عشر، المحبة الحقيقية، رقم 71

(7)                   المرجع نفسه

(8)                   فرح التبشير، رقم 209

(9)                   بندكتس السادس عشر، خطاب أمام اعضاء السلك الدبلوماسي، 7 يناير 2013

(10)           فرح التبشير، رقم 231

(11)           فرنسيس، اللقاء العام، 5 يونيو 2013

(12)           الكنيسة في عالم اليوم، 34

(13)           الرسالة إلى ديوجين، 6

المصدر:
فريق موقع القوات اللبنانية

خبر عاجل