
تسعة وعشرون عاماً، العمر كلّو، الصبا كلّو وكل ذاك الحبر المغمّس تعباً حباً نضالاً قضية. من قال إن “المسيرة” تحتفل بعيد ميلادها؟ نحن من نحتفل بميلاد الشباب المتجدد فيها.
هو زمن الميلاد بكل الاحوال، وأحوالك من أحوالنا، نترنّح ما بين الامل واليأس، الحب والحقد، الفرح والزعل، النضال والانكفاء، فأنت لا تكتبين حكايات الاخرين وأخبارهم وحسب، أنت نحن، حكايتنا عمرنا الذي مضى وبعض مما سيأتي.
أنت لست “مجلة” نتصفّح أوراقها ونفلفشها بفوقية قارئ لا يعجبه العجب، ويظن أن لا شيء يدرك عقله الواسع وثقافته اللامحدودة وهو بالكاد يقرأ منشورة أو لائحة في مطعم.
أنت أوراق نفلفشها كمن يفتح كتاب تاريخ فيه سطر بعد سطر عمر شهيد، قطرات مائه التي سالت فداء وطن كان وطن حلم وصار عرش الكوابيس…
أنت أوراق تفوح منها رائحة بارود الشباب حين كانت الجبهات بيوتهم وأكياس المتاريس وسائد حريرهم حين صدوا عنا العدوان من كل الجنبات والاتجاهات…
أنت أوراق تكرج منها دموع مالحة لامهات ودعن أبناءهن وذهبن بعد أيام ليضعن الورد على قبورهم وهن مبتسمات ليسوع… فيكِ من كل شيء أشياء، لبنان العز، لبنان القهر والنار، لبنان الذل ولبنان المجد…
أنت لست مجلة نفلفش أوراقها ببورجوزاية حشري يقرأ عن “هؤلاء” المقاتلين الذين لا يتعبون من سرد بطولاتهم وما شابه، أنت مجلة تحكي، تنطق بما فينا وما لنا وما علينا أيضا، مجلة فيها مشاعر ناطقة تتلون بحسب الصفحات، هنا تبكي وهناك تبتسم وأحيانا تضحك وكثيرا ما تفرح، وفيها، أهم ما فيها، عندما تغضب، وفي كل بعضها هي تحبّ وأنا أحب فيها أكثر ما أحب ذاك الغضب. هو عصب ثورتنا، هو نكزة ضمير لنبقى نتحرّك في كل الاتجاهات لنذكّر العالم، الجميع، خصوصا اولئك الذين حوّلوا الوطن مزرعة ذل، أن ثمة من سيبقى يوقظ فيكم ذاك الضمير الغائب المتناسي المتخاذل، يوقظ فيكم ذاك اللبنان الحلو الرائع الحر الاخضر، يذكّركم انه لبنان لنا وليس ملعب الاخرين، وان الاخرين زائلون زائلون وانتم معهم ولبنان يبقى…
في العيد الـ 29 يا صبية معتّقة بالنضال، نحملك صفحات عزّ نعبر بها من لبنان الى المهجر، من قلب هنا الى قلوب في كل الدنيا، من مقاتل وكاتب وصحافي وام واب وطفل وشباب يضج بالعنفوان، لننقل رائحة لبنان، لبنان يا شباب ذاك الشاب الذي لا يشيخ، عمره من عمر الارز والسنديان في وعر لا ينكسر، لنجعله عطر العالم كما كان ذات عمر مجد وحق.
العمر كلو لـ”المسيرة” تبقين مسيرتنا في عمر جعلناه رغم كل شيء، الانكسارات والانتصارات، عمراً مدججاً بلبنان وقديسيه، وتعرفون كم هو عمر لبنان، وتعرفون فاعلية قديسيه، لذلك نحن نؤمن ان المسيرة ستصل الى برّ الاخضر الحلو، وسنتسلّق من جديد مجد الارز وكل العنفوان، لنخطّ على صفحة الغلاف عنواناً ننتظره منذ عمر “انتم الزائلون ولبنان انتصر والمسيرة مستمرة”… العمر كلو.