#dfp #adsense

هل تقوم الدولة القوية مع حكومة “الشراكة الوطنية”؟

حجم الخط

ما من سلاح خارج الشرعية إلا وارتد الى الداخل
هل تقوم الدولة القوية مع حكومة "الشراكة الوطنية"؟

يتساءل الناس هل مجرد وجود رئيس للجمهورية ومجلس نواب وحكومة ومؤسسات يكفي لوجود دولة قوية قادرة على بسط سلطتها على كل أراضيها وتطبيق القانون على الجميع بدون استثناء؟
الواقع، كما ثبت في الماضي والحاضر، انه كلما كان وجود للسلاح خارج الشرعية ضعفت الدولة وعجزت عن تطبيق القانون، بدليل أنه عندما كانت الدولة دولة وكانت العشائر مسلحة لا سيما في منطقة بعلبك – الهرمل كان الامن يطبق فيها بالتراضي وكان الرئيس فؤاد شهاب نفسه يقول تعليقا على ذلك "إن القانون "يزم" كلما صعد نحو الجرود"…

لقد بدأت دولة القانون والحق والمؤسسات تفقد قدرتها وقوتها منذ أن دخل 45 مسلحاً فلسطينيا الى منطقة العرقوب، ولم تستطع الحكومة الرباعية في عهد الرئيس شارل حلو اتخاذ قرار باخراجهم من المنطقة لأن أصوات الوزراء الاربعة انقسمت بالتعادل بين من طلب اخراجهم بالقوة ومن رفض ذلك، والصوت الوازن الذي كان لرئيس الجمهورية امتنع عن التصويت حيال هذا الانقسام الطائفي، اذ ان الوزيرين بيار الجميل وريمون اده صوّتا على اخراجهم بالقوة فيما صوّت الرئيس عبدالله اليافي والوزير حسين العويني ضد.

وهكذا، وبسبب غياب القرار الوطني الجامع الذي تأثر بالمشاعر الطائفية في عدم التوصل الى اتخاذه، رغم ان القضية المطروحة مهمة جدا ويؤثر عدم بتها على سيادة الدولة اللبنانية وسلطتها وقدرتها على تطبيق القانون، فإن الـ45 مسلحا فلسطينيا أصبحوا ألوفا بعد سنوات وانتشروا في عدد من المناطق اللبنانية وحولوا المخيمات ثكنا ومعسكرات بداعي الدفاع عن القضية الفلسطينية والانطلاق من جنوب لبنان لتحرير الاراضي الفلسطينية التي تحتلها اسرائيل… فكانت النتيجة ان العمليات الفدائية الفلسطينية التي انطلقت من لبنان خصوصا لم تحرر شبرا واحدا من الاراضي المحتلة، بل سببت احتلال أراض لبنانية واجتياحات بلغ أحدها العاصمة بيروت ودفع اللبنانيون ولا سيما أبناء الجنوب ثمن ذلك خسائر بشرية ومادية فادحة وتعرض الاقتصاد اللبناني لصعوبات جمة، ولولا المساعدات التي حصل عليها لبنان من دول شقيقة وصديقة لكان واجه كارثة لا قيامة له منها.

وعندما أخذت المنظمات الفلسطينية تتدخل في الشؤون السياسية اللبنانية الداخلية، تحول سلاح تلك المنظمات نحو الداخل، فكانت حرب السنتين بينها وبين تنظيمات لبنانية حملت السلاح هي ايضا دفاعا عن النفس وعن أمنها الذاتي بعدما أصبحت الدولة عاجزة ليس عن حمايتها فحسب بل عن حماية نفسها، فانقسمت قواتها المسلحة وانقسمت المؤسسات وانهارت الدولة لتحل مكانها الدويلات.

وعندما دخلت القوات السورية لبنان لتوقف الاقتتال وتخرج الفلسطينيين المسلحين من لبنان الى تونس، لم تقم الدولة اللبنانية القوية القادرة على حفظ الامن بواسطة قواها الذاتية وبسط سلطتها في كل المناطق، بل قامت دولة الوصاية السورية على لبنان مدة ثلاثين عاما وهي الدولة التي كان فيها الأمن شعارا وغير ذاتي، وكل شيء مستعار يذهب مع انتهاء وقته…

ومع انسحاب القوات السورية من لبنان وانتهاء زمن الوصاية وجدت الدولة اللبنانية نفسها وحيدة في مواجهة أوضاع سياسية وأمنية معقدة عليها ان تتولى بنفسها معالجة هذه الاوضاع وهي غير جاهزة وغير قادرة بمؤسساتها الضعيفة على ذلك.

ومع وجود الدولة اللبنانية الضعيفة ازداد حجم السلاح في المخيمات الفلسطينية، وبدأت أحزاب يسارية تقوم بعمليات فدائية ضد اسرائيل انطلاقا من الجنوب الى ان بدأ "حزب الله" المسلح تسليحا قويا وتدريبا عاليا بعمليات نوعية ضد جنود الاحتلال الاسرائيلي في الجنوب، بحيث توصل الى تحرير الاراضي اللبنانية المحتلة وارغام القوات الاسرائيلية على الانسحاب منها تنفيذا للقرار 425 الذي تعذر تنفيذه بالوسائل السياسية والديبلوماسية على مدى سنوات.

ولكن ما من سلاح انتشر خارج الشرعية بحجة الدفاع عن القضية الفلسطينية او عن قضايا اخرى إلا وارتد الى الداخل. فالسلاح الفلسطيني دخل في اللعبة السياسية وباتت قرارات في مجلس الوزراء لا تتخذ إلا بعد العودة الى ابو عمار اذا كانت تعنيه… بحيث ان سطوته السياسية في لبنان بلغت حد القول في تصريح له انه حكم بيروت…

والسلاح خارج الشرعية الذي كان في أيدي الميليشيات أشعل حربا بين "حزب الله" وحركة "أمل" وحربا أخرى بين حركة "أمل" والحزب التقدمي الاشتراكي في بيروت عجزت قوات الدولة اللبنانية عن وقفها إلا بعد استدعاء قوات سورية…

وتسبب هذا السلاح في إشعال حرب الالغاء بين "القوات اللبنانية" وقوات من الجيش عندما كان العماد ميشال عون رئيسا لحكومة انتقالية، وكان قد تسبب ايضا في اشعال حرب بين "القوات اللبنانية" و"نمور حزب الوطنيين الاحرار" بحجة توحيد البندقية المسيحية… فكانت النتيجة ان زادت القوات السورية امساكها بالارض وبكل مفاصل الدولة اللبنانية.

ووقع "حزب الله" في الاخطاء نفسها عندما حوّل سلاحه في اتجاه الداخل، فكانت أحداث 7 ايار التي أفقدت سلاح الحزب صدقيته التي اكتسبها عند الناس كسلاح مقاوم للاحتلال الاسرائيلي وليس كسلاح يدخل الى زواريب السياسة اللبنانية الداخلية ويكون طرفا فيها.

لذلك، فإن السؤال الذي يبقى مطروحا بعد تشكيل الحكومة ولا جواب قاطعا وحاسما عليه هو: حتام يبقى السلاح خارج الشرعية، وتبقى الدولة الشرعية ضعيفة وعاجزة عن تطبيق القانون بوجوده، واذا لم يكن في الامكان إنهاء وجود هذا السلاح ما دامت وظيفته لم تنته، هل في الامكان وضعه تحت أمرة الدولة بحيث يكون قرار استعماله لها ولا سيما ما يتعلق بالحرب والسلم كي يكون لقيام حكومة الوحدة الوطنية او الشراكة الوطنية معنى وخدمة للأمن والاستقرار والاستثمار في البلاد.

اميل خوري

المصدر:
النهار

خبر عاجل