
كتبت نوال نصر في “المسيرة”: بعد مئة يوم يُصبح عمر “ثورة الأرز” 3650 يوما. لكن ليس كل حيّ نافع وليس كل نبضٍ حياة وليس كل حراكٍ مجديا… فهل باتت “الثورة اللبنانية” جثة متحركة أم هي لا تزال روح تتقدّ كلما دنت منها ذبذبات؟
ثورة الأرز، تلك اللحظة التاريخية في حياة شعب بلاد الأرز، ما زالت، بمفهوم الحياة التقليدي، حيّة لكن ثمة شيء ما ينقصها… فهل تدرون ما هو؟ هل تدرون أن الحراك يبدأ من الذات؟ هل تدرون أن رمي الإتهامات سهل أما تحمل المسؤوليات فيحتاج الى جرأة؟ هل سألتم أنفسكم ذات مرة، في عشر سنوات من عمر انتفاضة الإستقلال: أي 14 آذار نريد؟
قبل أن يحين عيد ميلاد انتفاضة الأرز العاشر بمئة يوم إستيقظت الأمانة العامة من كبوة إستثنائية طارحة سؤالا على من يفترض أن يهمه الأمر: ما هو 14 آذار الذي نريد؟
هل هي مضيعة وقت أن نفكر، أن نحك أدمغتنا ونفكر، بحثا عن إجابة؟ هل علينا أن نُصدق أن حالة 14 آذار الحقيقية انتهت في 14 آذار الأول؟ الحاقدون سيقولون، بلا تفكير، نعم أما الواقعيون فيدركون أن 14 آذار التي دخلت مرارا في أعوامها التسعة الماضية في العناية الفائقة تحتاج الى تدبير، الى أوكسيجين، الى رؤية واضحة للبنان المقبل… نحلم؟ الأمانة العامة أعطتنا مئة يوم جديدة نحلم بها فإما نُحقق معا كل الفرق أو نقول على 14 آذار التي كنا نريد السلام!

قبل عشرة أعوام كنا أصغر بعشر سنوات. لعلّ هذه هي الثابتة الوحيدة في سيرة عقد وما عداها كل الأمور تتغير، تتبدل، تتطور، في قطار يسير، ينزل منه أشخاص ويصعد إليه أشخاص وبين نزولٍ وصعود تتكوّن حالات… هذه هي الحياة عادة لكن هل تنسحب الحياة العادية على الشؤون الوطنية؟ هل تكفل تكتيكات سياسية ضيقة بتحويل ثورات رائعة مجرد فقاعات هواء؟
هناك دائما في دار الأمانة العامة لقوى 14 آذار ما يبث حماسة في الصدور، لعل هي وجوه الشهداء، شهداء الثورة، التي تطل من جنبات الردهة الأساسية الأربع. الدم الذكي يجعلنا دائما نعيد النظر في الخيارات الآنية السريعة فنعطي مجددا الفرصة الى مسائل أدرجناها في خانة: فالج ما تعالج! ومن هناك نسرح، من دون أن نشعر، في شعارات تلك اللحظة الرائعة في تاريخ لبنان، لحظة صرخ الشعب: “سيادة حرية استقلال” داحرًا نظامًا سوريًا قتل وعبث ونكل وشرد واغتال وخطف… لكن، تُرى لو كان سمير قصير حيا يُرزق هل كان سيجيب على دعوة الأمانة العامة لقوى 14 آذار بتحديد: “أي 14 آذار نريد” بنفس صيغ الماضي؟ هل كان بيار الجميل سيفعل هو أيضا هذا؟ وماذا عن جبران وأنطوان ووليد ومحمد…؟ يا الله كم أعطت هذه الثورة شهداء فهل يجوز أن نتنازل عنها بسهولة؟
لنعطها فرصة. لنعط 14 آذار فرصة. هو قرار. لكن، ماذا يفترض أن يفعل “14 آذار” ليستفيد من هذه الفرصة؟ سؤال مفتوح…
منذ انتهاء “اللحظة الرائعة الأولى” بدأ الكلام عن إنقسام الثورة على نفسها، وكل بيت ينقسم على ذاته، كما تعلمون، يخرب. وفي هذا الإطار يتذكر أحد عارفي كواليس الأمانة العامة جيدا أنه منذ الأيام التي تلت دحر الجيش السوري من لبنان، في نيسان من العام 2005، بدأت التحاليل عن مصير 14 آذار! فلم يكن يمر حدث إلا ويُحكى فيه عن إنقسامات تُهدد بقاء روح الثورة وكأنها قدمت معموديتها في 14 آذار 2005 وانتهت! فماذا عنها اليوم؟ يحيط “العارف” ذقنه بين كفيه وهو المدرك أن التطورات المتسارعة في المحيط باتت تتطلب تحركا أكثر شمولية وسرعة من أي وقت سبق، ولهذا كان قرار الأمانة العامة، في عيد الإستقلال الواحد والسبعين، أن تطرح على بعض أصدقائها من المجتمع المدني ومن الصحافيين ورجال الفكر السؤال التالي: أي 14 آذار تريدون؟ وطلبت من كل واحد من هؤلاء تقديم خمسة اقتراحات، في الأسابيع المقبلة، على هذا السؤال.

هل يفترض أن نبدأ بفارس سعيد، طبيب الأمانة ومنسقها العام، لنعرف ما هي مقترحاته هو أولا؟
الدكتور سعيد بادر الى إرسال اقتراحاته وبدل أن تكون خمسة جعلها عشرة. هو يريد 14 آذار قويًا متماسكاً مبادرًا أمام تهديدات القوى الرافضة قيام الدولة. ممتاز. نضم صوتنا الى صوته. وهو يريد 14 آذار قادرًا على مواكبة المرحلة التي تمر فيها المنطقة والتفاعل مع القوى المدنية التي تواجه التيارات المذهبية في كل أنحاء العالم العربي. ويريد أيضا وأيضا 14 آذار متصالحًا مع نفسه في تحديد رؤية واضحة للبنان 2050 من خلال تحديد برنامج حكم يتضمن رؤية محددة حول قضايا الإنسان، و14 آذار عابرًا للطوائف اللبنانية مع الحفاظ على خصوصية الأفرقاء من خلال إنشاء مجلس وطني يضم 500 شخصية من كل المناطق والتيارات، محرر من القيود الطائفية والحزبية ينبثق منه مكتب سياسي وأمانة عامة لمتابعة اليوميات. ويريد 14 آذار متمكناً من خوض انتخابات نيابية باسم 14 آذار وليس باسم الأفراد أو الأحزاب، ما يُتيح له الدخول الى المجلس النيابي بكتلة نيابية واحدة. نحلم؟ هذا ما زود منسق الأمانة اقتراحاته به.
وفي الاقتراحات أيضا، التمسك باتفاق الطائف والمصالحة مع قضايا الشعوب العربية بالعيش بعيدا عن أنظمة الإستبداد ومع المجتمع الدولي من خلال الحوار بين ضفتي المتوسط. وهو يقترح أيضا 14 آذار لا يخجل مؤيدوه من خياراته ويناضل من أجل السلام في المنطقة ويدافع عن قضية فلسطين. ويقترح، في الختام، 14 آذار شفاف المالية والخيار والإنتماء وله اختيار القيادات من خلال انتخابات داخلية وتداول السلطة على مجلسه الوطني وأمانته العامة وإدارته السياسية.
نكرر: رائع، لكن أليست كل هذه الإقتراحات مجرد تمنيات؟ هل الأرض خصبة طيّعة لها؟ سؤال…
أحد أركان ثورة الإستقلال يتمنى لو تحتفل قوى 14 آذار بعيدها العاشر، بعد مئة يوم، بكلام غير تقليدي بعيد عن الكلاسيكيات من نوع: نأمل ونقترح ونتعهد ونعد. هو يتمنى لو تُستبدل كل هذه المرادفات بكلمة واحدة: نعمل. المطلوب في السنة العاشرة المباشرة بالعمل وباعتماد خطوات عملية وبتطوير الآليات التنفيذية نحو التحول الى جبهة سياسية حقيقية. وإذا لم يحصل هذا، بسرعة، الآن بالذات، 14 آذار الى زوال! فها نحن نقترب من الذكرى العاشرة في ظل خلافات مستحكمة على كل شيء، كل كل شيء، على شكل الحكومة التي أبت “القوات اللبنانية” الدخول فيها وعلى طبيعة التمديد التي أبت “الكتائب اللبنانية” المضي فيه. ندنو بالتالي من 14 آذار 2015 والحديث ما عاد عن قوى 8 وقوى 14 بل عن شيعة وسنّة وحوار بين “مستقبل” و”حزب الله”. بات الكلام بالمفرق: “قوات” و”كتائب” و”مستقبل”… وعادت وطغت بالتالي الحالات الفردية واللغة الحزبية في ظل تراجع واضح في المعيار الوطني الجامع الكبير.
أي 14 آذار نريد؟
الإقتراحات الشفهية كثيرة لكن الوقائع أكثر تأثيرا في المخ وفي الحثّ على المضي قدما نحو تحقيق أحلام شباب ثورة الأرز وهذا لن يكون إلا بعودة الموقف الواحد والإرادة الواحدة والسعي الواحد! في كل حال، كلنا نتذكر أنه في الرابع عشر من شباط عام 2005 جاءت الدهشة عارمة يوم هتف سنّة لبنان مع مسيحييه: سوريا طلعي برا. خرجت سوريا. وفي الرابع عشر من شباط عام 2011 مشهد آخر تجلى أنعش الذاكرة وحراك قوى 14 آذار يوم عاد سنّة لبنان مع مسيحييه مع بعض شيعته الى الجذور، الى الينبوع، الى الشعب، الى الحقيقة، الى الوضوح… هم قرروا يومها أن يعودوا، كما وعدوا، عن الخطأ! ويومها وعدنا أنفسنا بمشهد جديد يُدهش الناس. كان وعدا. واليوم، الحراك الجديد يعدنا بأن قيامة جديدة يتمناها كثيرون من قلب 14 آذار… فهل ستتحقق؟ يأملون؟ لا يكفي. المطلوب عمل ثم جهد ثم سعي. مطلوب إذا شيء استثنائي، غير تقليدي، من 14 آذار. مطلوب وبإلحاح الإبتعاد عن الثنائيات المذهبية والطائفية والإنقسامات الحزبية وإشراك الرأي العام في عملية إنتاج السلطة، فيُسأل الناس، البشر، صانعو 14 آذار الأساسيين عن رأيهم في الإستحقاقات المتتالية. مطلوب إذا من 14 آذار أن تعود الى 14 آذار، و14 آذار هذه هي شعب ثار ذات يوم وقال: أقرر هذا. أريد هذا. وما أراد تحقق. 14 آذار لن تكون إذا لم تعد الى شعب 14 آذار أولا.

سؤال آخر يُطرح بينما ثوار الأرز يبحثون عن أي 14 آذار يريدون… ماذا عن الثامن من آذار؟ هل هو متماسك في عيده العاشر؟ هل سيستحق أن نقول له بعد مئة يوم: كل سنة وأنت 8 آذار حيّ؟ وهل هو، في الأساس، حيّ؟
المراقبون الحياديون يرون في 8 آذار شيئا مختلفا تماما، فهو، على نقيض قوى الرابع عشر من آذار التي تتشكل من أحزاب وتيارات متساوية تنشد التنوع، يرتكز على مكوّن واحد هو “حزب الله”. وهو يُشبه الى حد تلك الجبهة، الجبهة اللبنانية، التي كانت القوات والكتائب تشكلان عمودها الفقري والبقية، الى حد ما، شبه حاشية، هكذا هي كل جماعات الثامن من آذار حوله، لهذا لم يُطرح السؤال، في تسعة أعوام، ولا مرة: ماذا بقي من 8 آذار؟ لأن 8 آذار سيبقى ما دام “حزب الله”، بسلاحه وماله، باقيا ومن دونه وحده ينتهي 8 آذار. 14 آذار إذا ليس حالة حزبية ذات قناعات إيديولوجية مسبقة بل هي حالة من لبنان، تشبه لبنان، تؤيد التعددية والمواطنية والثقافة والحضارة ولهذا مطلوب ألا تخضع الى أي من المساومات أو التنازلات وإلا تكون قد أصبحت بلا طعم. مطلوب إذا أن تأخذ موافقة الأحزاب على تشكيل مجلس وطني من أجل خلق دينامية في داخلها وإذا فشلت في هذا، في سنتها العاشرة، ستكون مجرد حالة تصريف أعمال، تعيش ما بين إعلان إنتهاء وجودها والعودة الى نضالها، ستكون بالتالي كمن يؤجل إعلان موته! هذا طبعا رأي مراقب حيادي في سؤال 14 آذار: أي 14 آذار تريدون؟

قوى الرابع عشر من آذار لا تُحسد طبعا على مراحل الآلام التي مرت فيها، وهي، على الرغم من حالات الإنسحاب المتتالية التي واجهتها لأسباب مختلفة، وأبرزها من وليد بك جنبلاط، كانت تتعرض دائما الى ما يُشبه القصف الإعلامي والسياسي وحتى الشخصي الذي تجسد بالإغتيالات التي طالت كثيرين من رجالاتها ومحركيها. 14 آذار، نحكي ما لنا وما علينا، حققت، في اللحظة الحاسمة، انتصارا وما زالت أمامها لحظات شرط أن يقترن التمني بالإنجاز الفعلي. يُفترض بحركة 14 آذار، كما قال ذات يوم الدكتور الياس أبو عاصي، أن تُشكل كتلتها البرلمانية الواحدة القادرة على توجيه أسئلة مباشرة حيث يُفترض ويجب… كي لا تُصبح أشبه بميشال عون الذي طالما حكى عن الإصلاح والفساد لكنه لم يقم ولا مرة بتشكيل لجنة برلمانية تعمل على التحقيق في أمر ما! 14 آذار يفترض ألا تنهمك بمكتسباتها الشعبوية بل بالشعب الذي يحتاج الى مكتسبات. هذه كل الحكاية.
أي 14 آذار نريد؟
أمامنا بعد مئة يوم قبل أن يحل العيد العاشر لثورة الأرز. أمامنا مئة يوم بعد نفكر فيه في إقتراحات تُبقي شرنقة الثورة الجميلة التي انطلقت قبل 3550 يوما حية. بدأ العد العكسي.