
تُولي روسيا لبنان أهمية خاصة على رغم انهماكها في ملفات إقليمية ودولية عدة من سوريا الى العراق وإيران وأوكرانيا، وهو ما يبدو واضحاً من خلال الزيارة الثانية لنائب وزير الخارجية الروسية وموفد الرئيس الروسي إلى الشرق الأوسط ميخائيل بوغدانوف إلى بيروت في أقلّ من سنة، والرسائل التي حملها إلى القيادات اللبنانية التي التقاها.
بوغدانوف الذي سبق وقصد بلاد الأرز في نيسان العام الماضي، لم يفوّت دعوة وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل في مناسبة الاحتفال بالذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية مع روسيا الإتحادية، ليبقي على الحرارة التي تكتنف العلاقة مع لبنان في ظلّ شهيّة موسكو لتوسيع بيكار نفوذها في الشرق الأوسط وعدم الاكتفاء بسوريا كآخر سبيل لها إلى المياه الدافئة.
علاقات تعود جذورها إلى عهد القيصر إيفان الرابع، حين بوشر بتقديم مساعدات لكنيسة أنطاكيا الأرثوذكسية وتخصيص مبالغ مالية من الخزينة لمسيحيي الشرق، لتعود القوات الروسية وتقوم بعمليّة إنزال بحرية في ميناء السان جورج في العام 1737 بهدف مساندة انتفاضة الأهالي ضدّ الباشا. وفي العام 1939 تمّ افتتاح أوّل قنصلية روسية في بيروت، أعقبها إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، وتبادل السفراء منذ آب 1944، حيث توالى على لبنان عدة سفراء روس، آخرهم السفير الحالي الكسندر زاسيبكين.
الموفد الروسي لم يفصح عن فحوى المهمة التي يقوم بها في شأن رئاسة الجمهورية، واعتبرها «سراً»، واكتفى من خلال دردشة مع «الجمهورية» بالقول: «لقد حثّيت، خلال لقائي المسؤولين اللبنانيين، على ضرورة الإسراع في انتخاب رئيس للجمهورية»، ونفى تفضيل روسيا لمرشح على آخر، مجدداً تأكيد موقف بلاده بأنّ «هذا القرار يعود للبنانيين أنفسهم».
ويستشفّ من كلام بوغدانوف انّه شجع اللبنانيين على التحرك وعدم ربط ملف الإستحقاق الرئاسي بقضيتي مفاوضات النووي الإيراني والأزمة السورية، فحتى الساعة لا يحتلّ لبنان الأولوية في جدول أعمال الأسرة الدولية التي تكتفي بتأمين مظلة له تضمن استقراره الهش.
وذكّر بوغدانوف في الاحتفال الذي دعا اليه السفير الروسي في لبنان ألكسندر زاسيبكن بالتعاون مع رئيس جمعية الصداقة اللبنانية الروسية جاك صرّاف في قصر الأونيسكو أمس لإحياء الذكرى الـ70 على تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين روسيا ولبنان بأنّ «الاتحاد السوفياتي هو من أوائل الدول التي اعترفت باستقلال لبنان منذ عام 1943».
وجدد تأكيد روسيا «احترام استقلال لبنان ووحدة أراضيه ومعارضتها أيّ محاولة للتدخل في شؤون لبنان الداخلية»، مشدداً على أنّ «القضايا الوطنية يجب حلّها في إطار الدستور».
وقال: «هناك تقارب في المواقف بين روسيا ولبنان من احداث الشرق الأوسط ودعم سعي الشعوب المشروعة إلى حياة أفضل ومجتمع يوفّق بين الحريات المعاصرة والتقاليد الخاصة بكل شعب».
وأشار إلى انّ «روسيا تستخدم كل المنابر من مجلس الامن الدولي إلى علاقاتها الثنائية مع الدول لطرح أجندة تحترم القيَم الاخلاقية والشرعية الدولية والعدالة على قاعدة التعددية القطبية ورفض الاحادية في النظام العالمي».
وقال: «نحن لدينا نهج مستقلّ يعتمد على قدراتنا الذاتية وننظر بارتياح الى تطور علاقاتنا وتعاوننا في القضايا الاقليمية والدولية، ونرى أنّ الحلول للنزاعات والأزمات تكون بالطرق السلمية والحوار من دون ايّ تدخل خارجي».
وأعاد بوغدانوف التأكيد على أنّ «مكافحة الإرهاب أولوية لروسيا وهي تدعم الخطوات الحازمة للجيش اللبناني في تصدّيه للارهاب». وشدد على «اننا مستعدون لإعطاء المساعدة الضرورية لشركائنا، وذلك في ظلّ البحث الجاري عن نوع الاسلحة والمعدات التي ينوي الجانب الروسي تزويدها للجيش اللبناني وقوى الأمن الداخلي في معركتهما ضد «داعش» و»جبهة النصرة».
إقتصادياً، ثمّن تطور العلاقات الاقتصادية بين روسيا ولبنان بشكل ملحوظ، ولا سيما لجهة نمو حجم التبادل التجاري وزيادة الصادرات اللبنانية الى روسيا، وخصوصاً في المجال الزراعي، مُبدياً رغبة بلاده في تعزيز العلاقات في المجالين الثقافي والتربوي والتطلّع الى مستقبل أفضل بين الشعبين الروسي واللبناني.
في الملف السوري، لم يحدد بوغدانوف موعداً ثابتاً لمؤتمر جنيف 3 الذي تسعى روسيا الى التحضير له من خلال اتصالات ولقاءات دبلوماسية مكثّفة، مكتفياً بالقول لـ»الجمهورية»: «مؤتمر جنيف 3 سيعقد في أسرع وقت»، وعلى أطراف الأزمة السورية ان تجتمع وتقبل بالحوار من دون شروط مسبقة».