اللبنانيون كلهم يتحدثون بايجابية، وحتى بتفاؤل، عن الحوار المنتظر خلال الأيام المقبلة بين «تيار المستقبل» و»حزب الله»، في ما عدا حلفاء الحزب والمحسوبين عليه. هؤلاء اما يقولون ان الحوار لا يعنيهم من قريب أو بعيد، كما هي حال رئيس «التيار الوطني الحر» العماد ميشال عون، أو أنهم يطرحون آراء وأفكارا لن تكون محل حوار الآن ولا كانت مقبولة للحوار بشأنها في السابق.
منذ اللحظة الأولى لبدء الكلام على هذا الحوار، حاول أتباع الحزب تصويره وكأنه مبادرة قام بها أمينه العام السيد حسن نصرالله في خطابه في العاشر من محرم(ذكرى عاشوراء)، وتاليا فانه حدد جدول أعماله من خلال ما وصفوه بـ«الثوابت» أو «المسلّمات» التي أوردها، ان لجهة موقفه من الانتخابات الرئاسية أو الانتخابات النيابية أو لجهة مرشحه الوحيد و»حتى قيام الساعة» للرئاسة… فضلا طبعا عن سلاح الحزب وقتاله في سوريا الخ…
وفي هذا التزوير للحقيقة، والتنكر لواقع أن «تيار المستقبل» ورئيسه الرئيس سعد الحريري هما اللذان مدّا اليد للحوار منذ شهور، محاولة مكشوفة من أتباع الحزب(خصوصا في الاعلام) لقلب الأمور رأسا على عقب…حتى في الشكل. واذا كان ذلك ليس مما يجب التوقف طويلا عنده، فما تلاه لجهة الحديث عن معاني الحوار ومحتواه ودلالاته، من وجهة نظرهم طبعا، يثير الكثير من الأسئلة وعلامات الاستفهام ليس فقط حول انعقاد الحوار أو عدم انعقاده، انما أيضا وأساسا حول ما يضمر له ولمساره وربما لنتائجه في الخفاء.
ذلك أن كلاما من نوع أن لا معنى للحوار ما لم يكن على قاعدة «الاعتراف بالوقائع كما هي على الأرض»، أو أن ما أنجزه الحزب وحلفاؤه في 8 آذار لبنانيا «لن تستطيع قوة في الدنيا أن تغيره»، أو أن «الحديث، أي حديث، يبدأ من هنا ولا حديث من خارجه»، لا يعني في محصلته سوى وضع العصي في الدواليب حتى قبل أن تبدأ عجلة الحوار في الدوران.
وقد يكون مفهوما أن يخاطب الحزب قاعدته الشعبية بمثل هذه اللغة، أو حتى أن يدخل اعلامه في مزايدة حول قوة الحزب الزائدة شعبيا وسياسيا وعسكريا في الداخل والخارج(الكلام على الخوف الاسرائيلي من هذه القوة شبه يومي)، الا أن الأمر قد يتجاوز ذلك الى محاولة الظهور كمن يحقق «مكاسب» شعبية وسياسية تأسيسا على ما يعتبره «أمرا واقعا» يريد من اللبنانيين أن يعترفوا به من جهة أولى، وحتى أن يتصرفوا على أساسه من جهة ثانية.
فما ينبغي التنبه اليه هو أن هذه اللغة لا تفعل الا أنها تحاول القفز فوق ما تضمنته مبادرة الرئيس الحريري بشأن الحوار حول ما يهم اللبنانيين في حياتهم وأمورهم اليومية، وليس حول ما يختلفون بشأنه…والذي قال الحريري منذ البداية أنه متروك موقتا تحت عنوان «ربط نزاع» كي لا تنعكس الخلافات هذه سلبا على استقرار البلد السياسي والأمني، وبالتالي اقتصاده وشؤون ناسه الحياتية.
ذلك أن ما يهدد لبنان بإلحاح الآن، ويمكن لأي حوار اذا صدقت النيات أن يجد علاجا له، واضح المعالم بحيث لا يستطيع أن ينكره أحد: انتخاب رئيس للجمهورية بالسرعة الممكنة، والتوافق على قانون للانتخابات النيابية تمهيدا لاجراء هذه الانتخابات مباشرة بعد انتخاب الرئيس العتيد، فضلا عن سد، أو أقله محاولة سد، المنافذ التي تهب منها عليه رياح الحربين المذهبيتين المشتعلتين في سوريا والعراق.
والسؤال الذي يتطلب اجابة واضحة، ولا لبس فيها، في هذا المجال هو: هل يريد «حزب الله» فعلا أن يدخل في حوار جاد وجدي مع «تيار المستقبل» حول هذه الأمور من دون ما عداها؟.
اذا كان الجواب بالايجاب، وهو ما يتمناه اللبنانيون، فيمكن اذاً (ومرة أخرى اذا صدقت النيات) أن ينجحوا ولو الى حد ما في تحييد أنفسهم وبلدهم عن انعكاسات الحروب والمآسي التي يعيشها شعبا البلدين الشقيقين في العراق وسوريا.
هذا هو الهدف من الحوار، وليس «الحوار للحوار» كما اعتاد اللبنانيون أن يقولوا عن «الحوارات» السابقة في خلال الأعوام الماضية، ولا محاولات تسجيل النقاط «الشعبوية» كما يبدو من الفبركات الاعلامية والتسريبات السياسية(المحلية والاقليمية) في هذا الشأن.
وفي أي حال، فالأيام المقبلة هي التي تكشف الخيط الأبيض من الخيط الأسود في النهاية.