#adsense

التعجيل في إقرار مشروع فصل النيابة عن الوزارة هو الحل

حجم الخط

الخروج على النظام الديموقراطي وعلى الدستور يعرقل تشكيل الحكومات
التعجيل في إقرار مشروع فصل النيابة عن الوزارة هو الحل

يرى سياسي عتيق ان ليس تدخّل الخارج أو عدم تدخله هو الذي يعرقل تشكيل الحكومة في لبنان، انما عدم العودة الى أحكام الدستور نصا وروحا التي تحدد قواعد تشكيلها، والى النظام الديموقراطي الصحيح الذي يجعل الاكثرية تحكم والاقلية تعارض، وان نتائج الانتخابات النيابية كل أربع سنوات هي التي تفرز أكثرية وأقلية بإرادة شعبية حرة.

لقد كان رئيس الجمهورية بموجب الدستور القديم هو الذي يسمّي الوزراء ويختار من بينهم رئيسا للحكومة، فاستعيض عن هذا الحق في دستور الطائف بأن يتم تشكيل الحكومة بالاتفاق بين رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، أي أنه لا يوقع مرسوم تشكيلها اذا لم يكن موافقا على ذلك، ومعنى ذلك ان الرئيس المكلف يتشاور مع الاحزاب والكتل النيابية في تشكيل الحكومة ويختار الاسماء والحقائب ثم يعرض الأمر على رئيس الجمهورية، فإن هو وافق عليها صدر مرسوم التشكيل، واذا لم يوافق أعاد الرئيس المكلف النظر ببعض الاسماء والحقائب لتصبح مقبولة منه ومن رئيس الجمهورية، واذا لم يوافق الرئيس المكلف على ملاحظات او مطالب رئيس الجمهورية اعتذر له عن عدم تمكنه من الاستمرار في عملية التشكيل، وعندها تجرى استشارات جديدة لتسمية سواه. أما اذا لم يوافق بعض الاحزاب والكتل على التشكيلة التي حظيت بموافقة رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، فما عليها الا ان تعلن عدم قبولها المشاركة في الحكومة واختيار المعارضة. ومن المهم جدا أن يكون بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة تفاهم وتعاون تامّين كي ينعكس ذلك على الحكومة كلاً . لأنه عندما لا يكون تفاهم وانسجام وتعاون بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة فإن أعضاءها ينقسمون بين مؤيد لهذا ومؤيد لذاك، الامر الذي يعطل سير عجلة الدولة وينقل هذا الانقسام الى داخل المؤسسات ولا سيما الى مجلس النواب وهو ما حصل مع رؤساء جمهورية ورؤساء حكومة في أكثر من عهد ولا سيما بين الرئيس اميل لحود والرئيس الشهيد رفيق الحريري، بحيث بلغ الخلاف بينهما حد التدخل في إعداد جدول أعمال مجلس الوزراء وأي من المشاريع والمواضيع ينبغي ادراجها فيه او عدم إدراجها، واذا حصل إدراجها وقع الخلاف في مجلس الوزراء عند مناقشتها، في محاولة للحؤول دون المصادقة عليها خصوصا تلك التي كانت تهم الرئيس الحريري، فيتصدى لها مع الرئيس لحود عدد من الوزراء الذين صاروا يوصفون بالوزراء المشاكسين…

أما اليوم فيتم تشكيل الحكومة خلافا للقواعد الدستورية وللأصول، فصارت الاحزاب والكتل هي التي تسمي وزراءها والحقائب وان لم يكن ذلك يحظى بقبول رئيس الجمهورية او الرئيس المكلف وتأتي التسمية أحيانا استفزازية لأحدهما او لوزراء محتملين، كأن يكون الوزير المقترح راسبا في الانتخابات كي يواجه من فاز ضده، سواء داخل الحكومة أو خارجها، أو أن هذا الوزير هو على عداء سياسي اما مع رئيس الجمهورية او مع رئيس الحكومة فيصبح مفروضا عليه وتحت طائلة القبول به او رفض المشاركة في الحكومة بأي وزير آخر، لا لشيء سوى عرقلة عملية التشكيل او جعل الحكومة تضم وزراء متخاصمين وغير متعاونين فتفقد الحكومة عندئذ قدرتها على العمل والانتاج.

أما الاصول، فتقضي بأن يختار الرئيس المكلف بالاتفاق مع رئيس الجمهورية الوزراء والحقائب التي تصلح لكل وزير مع حرصهما على اشراك كل القوى السياسية الاساسية بما تمثل من مذاهب ومناطق في الحكومة ضمانا لثقة الاكثرية المطلوبة عندما تَمْثُل أمام الهيئة العمومية لمجلس النواب. ومن حق كل حزب او كتلة ان توافق او لا توافق على تسمية من يمثلها فتختار الموالاة او المعارضة، وليس من حقها أبدا ان تفرض هي أسماء الوزراء والحقائب على رئيس الجمهورية والرئيس المكلف، لأن الدستور ناط تشكيل الحكومة بموافقتهما وبالاتفاق بينهما، وإلا فإن على من لا يقبل بذلك أن يقترح تعديل الدستور بحيث يعطى للأحزاب والكتل النيابية حق تسمية الوزراء والحقائب شرطا للمشاركة في الحكومة، فلا يبقى عندئذ لرئيس الجمهورية ورئيس الحكومة المكلف سوى الموافقة على ما تريده الاحزاب والكتل.

هذا في ما يتعلق بتشكيل الحكومة وفقا لأحكام الدستور. أما في ما يتعلق بالنظام الديموقراطي الذي حلَّ مكانه ما يسمى "النظام الديموقراطي التوافقي" فهو نظام غير مكتوب ولم يُعتمد بعدُ باتفاق الجميع ليكون بديلا من النظام الآخر، وتصرّ فئة على اعتماده ولو بالعرف. وهذا النظام "البدعة" يفرض جمع الاكثرية والاقلية في حكومة واحدة، أي جميع الاضداد الذين تواجهوا بحدة في الانتخابات النيابية، بحيث تنتقل هذه المواجهة ليس الى مجلس النواب كما يقضي النظام البرلماني الديموقراطي بين أكثرية وأقلية، بل الى مجلس الوزراء، فلا تكون هذه الفئة قد أطاحت "النظام الديموقراطي" فحسب بل أطاحت الدستور، ولا سيما المادة 65 منه التي تحدد المواضيع الاساسية وعددها 14 التي تحتاج الموافقة عليها الى غالبية الثلثين اذا تعذر التوافق. وبات مطلوبا في رأي الفئة نفسها حصول توافق على كل موضوع تعتبره أساسيا حتى ولو تناول تعيين حاجب في الدولة.

ويختم السياسي العتيق بالقول ان عدم العودة الى الدستور والى النظام الديموقراطي الصحيح، سوف يفتح الباب على أزمات كلما صار بحث في تشكيل حكومة، وسوف يفقد مجلس النواب دوره في المراقبة والمساءلة عندما تختصر الحكومة المجلس بجمع الاكثرية والاقلية، أي الموالاة والمعارضة في حكومة واحدة، وأنه لا بد للخروج من هذا الوضع الشاذ التعجيل في اقرار مشروع فصل النيابة عن الوزارة، خصوصا بعدما أثبت الوزراء من خارج مجلس النواب نجاحهم في أداء مهماتهم على أكمل وجه.

المصدر:
النهار

خبر عاجل