كتب أمجد إسكندر في مجلة “المسيرة”:
فتح المسيح باب الخيال الجامح. ومن بين كل الصفات التي أُسبغت على ذلك الشاب الثلاثيني، نادرا ما عرَّفناه بصفة الشاعر.
آياته شعرٌ صافٍ وسيرتُهُ سيرةُ الشعراء. وعندما يُقال بإنه إلهٌ وانسان، معلمٌ وبطل، سيدٌ وثائر، أوليست هذه من ميزات الشعراء؟
كُثُرٌ ممن يُحبُّه ويقدِّسه لا يَتَنَبَّه الى انه منجذبٌ الى نجومية ذلك الشاعر الشاب الذي عاش ومات شاباً. ومَنْ غير الشعراء يُلاعبُ الزمن والأقدار؟
أشياء كثيرة من ابن الناصرة مغروسة فينا نحن مسيحيو هذا “اللبنان”. لعلَّ أكثرها رسوخاً في نفوسنا، العاطفة.
مسيحنا عاطفيٌّ بامتياز. عقائد الدول ومضامين الدساتير، كانت في أسفل جدول رسالته. ارتفع بمعاني المحبة، والرأفة، والحنان، والتسامح، والمغفرة، والسلام.
لم يقل ماذا نأكل وماذا نلبس وكيف نحكم الدول والممالك. شلال عاطفة انهمرَ وكاد يُغشى علينا من هذه الغزارة العاطفية.
واذا كان صلبه مشوبًا باللاهوت، فميلاده رمز السلام وعنوان الحب والحنان. طفل وديع فَصَلَ الزمنَ بين ما قبلَ ميلاده وما بعدَه.
لم يقلْ كلمةً يومَ ولِدَ، ولكن معاني تلك الولادة تكاد تتغلب على كل أقواله! ميلاده له تأثير في أرواحنا أعظم من كلامه لفرّيسي أو سامري أو روماني.
“صُلِبَ عنا على عهد بيلاطس البنطي” ليست بروعة: ” خذوا كُلوا هذا هو جسدي”!
أي شاعر سبقَهُ الى هذه العاطفة المشحونة والجامحة؟ الى هذا السمو؟ الى ذلك الصفاء؟
شيء واحد قد يكون غَفَلَ عمَّنْ روى الأناجيل، ألا وهو روح الدعابة. لا بد وأن هذا الشاعر كان يمتلك روح دعابة غيَّبَها معاصروه حُباً ومَهابة. لا بد أن الحَمَلَ الوديعَ ظلَّ يعرفُ الابتسام حتى بعد أن هَجَرَ المِزود. هذا الشاعر العاطفي حتما هناك مَنْ سَمِعَ ضحكاتِهِ ورأى ابتساماتِه. في أناجيله يبدو واضحاً أنه كان لاذعاً، والثوار أكثر من غيرهم يتقنون المرح اللاذع ويعيشونه منتظرين النهايات الساخرة.
وعلى خُطاه نحن المسيحيين اللبنانيين، عاطفيون في كل نواحي هذه الحياة التي رمتنا على بُعد كيلومترات من مغارةِ ميلاده ومسرحِ حياته.
لو نظرنا بعين العقل كلما هجمَ علينا غازٍ أو ظالمٍ أو محتل، لكنّا انتهينا من زمان. بروح العاطفة بقينا نُناضل ونُصارع لمبدإٍ، لمعتقَدٍ، لنمطِ حياة. كلمتنا كانت وستبقى نعم نعم ولا لا، أما الباقي فمن الشيطان. والشيطان مسكنه الآمن “الأمر الواقع”، ونحن المسيحيين اللبنانيين لا نؤخذ بأمر ولا يغرُّنا واقع!
وإذا كان العلم يُفسِّرُ هذا العالم، فليست وظيفة هذا العالم إلا الحب. هذه الحقيقة تعني بأن أهم علماء الطب والفيزياء والكيمياء، ليسوا بأعظم من فقير أعطى فقيراً خبزاً وماء.
لا نحتاج الى الفلسفة لنعرف أن هذا الفقير سيكون يوم القيامة على يمين الآب، لا على الجانب الأيسر. ولا نحتاج الى علم الجغرافيا السياسية وثوابت التاريخ لنعرف أن حفنة من سكان هذا الجبل، هم على حق، وكل الإمبراطوريات التي اضطهدتنا كانت على خطأ. في لحظة الحقيقة ينظر المسيحيون اللبنانيون الى الحق والصواب لا الى قوة المُستبد وعددِ جيوشه! شكراً لأننا مراراً لم نُحْسِنْ تَعدادَ المهاجمين وتفوّقهم بالسلاح والعتاد.
شكراً لطفل الميلاد لأننا لم نُقارن بين ضعفنا وقوتهم، بل بين حقنا وباطلهم.
هذا ما فعله فينا ذلك الطفل الذي تحوَّل شاعراً، يمشي بين البيوت ويَخطِبُ على التلال، ويشرب النبيذ في الأعراس، ويسهر في منازل مرتا والمجدلية. مسيحنا أمير على الشعراء، تمسحُ النساءُ أقدامَهُ بالزيت والمِسك والعطر ويطالب بالمزيد، لأنه عريس الحياة الجديدة.