#adsense

الفذلكـــة والأسبـــاب الموجبـــة

حجم الخط

الفذلكـــة والأسبـــاب الموجبـــة

"تحدث فوجم الجميع وسكنوا
خجولين بالرفض، خائفين من القبول"
هوميروس

جاء فؤاد السنيورة الى السياسة من المحاسبة. من عالم محكوم بالارقام، ضيّق، متشدد، قاعدته التوفير إن لم يكن التقتير. وكان النقيض الكلي للرجل الذي حمله الى السياسة، حيا وميتا. وذات حكومة كان وزير التربية جان عبيد يطالب بشيء ما لأحوال المعلمين، يدعمه مدّرسان سابقان: بهية ورفيق الحريري. وظل وزير المال يعاند حتى انفجر جان عبيد قائلاً لرفيق الحريري: "الفارق بينك وبين وزيرك انك حساس فقط على الآلام، وهو حساس فقط على الارقام".

حمل السنيورة معه الى السياسة تعبيراً، أو مصطلحاً، هو "فذلكة الموازنة"، وهي كلمة تعني مجمل، أو خلاصة حساب، أو غيره. وبقدر ما هي دقيقة بقدر ما هي كليلة ودمنة. ومنذ ابن المقفع، او بسببه، انصرفت الناس الى تفضيل الخطأ الشائع على الصحيح الثقيل. وكان اللبنانيون قد نسوا حكاية الفذلكة الى ان اعاد وزير المال فتح دفتر المحاسبة، في بلد مرهق بالديون والهموم والقهر والفقر.

على ان الفذلكة تحولت من لغة المحاسبة القاحطة القاحلة، الى مزاريب السياسة وامطارها وعواصفها. وكانت شواذ المألوف في العمل السياسي، فأصبحت هي القاعدة والمبدأ. وبعد قليل سوف تحوّل الى قانون. فكثرة السوابق تكرس اللواحق.

فقد فذلك العونيون، ولا يزالون، تقريبا كل يوم، انتقال الجنرال من "قانون محاسبة سوريا" و"ارهاب حزب الله" الى الدعوة لجعل لبنان بلد مقاومة، بأن الحقائق لم تكن واضحة للجنرال من باريس! ماذا كان واضحا في باريس؟ الذهاب الى الكونغرس؟ البيانات والتصريحات اليومية؟ ألم يكن واضحاً من باريس ان الجنوب يُضرب كل يوم؟ ألم يتضح لضابط سابق، في باريس، ان المقاومة أوقعت هزيمة عربية أولى بإسرائيل عام 2000 وحررت بالقوة ارضا عربية أولى منذ عام 1948؟

لماذا الفذلكة؟ لماذا لا نشرح، بكل صدق وشجاعة، الاسباب الموجبة؟ الحرية في اتخاذ القرار السياسي. الحرية في اتخاذ القرار القومي والوطني؟ بكل بساطة، اعدنا النظر في سياساتنا وأحلافنا السابقة، وعلى ذلك نبني موقفنا الجديد. ومن يعترض فليرفع إصبعه. او بلغة الجنرال الذي لا يكف عن الدعوة الى احترام الرأي الآخر، فليصمت.

لماذا استغفال جميع الناس، من محازبين وحلفاء وخصوم؟ لماذا الفذلكة؟ وما هي اهمية الذين نبرر لهم في أي حال؟ كان الجنرال يرد على منتقدي التغير والتغيير بالقول إن الانسان اذا لم يتغيّر يظل يرتدي ثوب الجلد مثل رجل العصر الحجري. وكان يفوته تفعيل بسيط، هو ان قياس التغيير هذا ليس على عشرة آلاف سنة، بل على عشرة أشهر. واذ نفض الجنرال عن نفسه تلك اللحظة السوداء بالذهاب الى الكونغرس، ها هو الاستاذ وليد جنبلاط يرميها من نوافذ "البوريفاج"، لاعناً لحظة التخلي وساعة الاضطرار.

يصغون، في الصف الامامي، كانوا ثلاثة من أبلغ الناطقين باسمه وباسم اضطرارات المرحلة الماضية، او الزائلة: غازي العريضي واكرم شهيب ووائل ابو فاعور. وليس العريضي مضطراً الى ان يبرر او يفذلك، فلم يفته لحظة ان يحسب حساب العودة، او الاسباب الموجبة. وقبل اشهر اصدر مؤلفاً ضخماً يضم مطالعات السنوات الخمس الماضية في نقد السياسات الاميركية، محافظة وليبرالية، سوداء بيضاء على قمحية.

لا شك في ان العالم، عرباً وعجماً، كان يصغي يوم الأحد الماضي، ولو بدرجات متفاوتة، الى الزعيم الاشتراكي وهو يردد انشودة الحنين الى اليسار، لكن المشكلة انه ما بين رحلة الاضطرار والعودة منها، انتهت في عالم اليوم تلك المصطلحات التي خدمت الفكر السياسي زمناً طويلاً، فـ"المحافظون الجدد" الذين أعرب عن ندمه على لحظتهم السوداء، جعلوا حتى اقصى اليمين بلا معنى. تماماً كما انتهى مفعول التسمية باليسار، منذ اللحظة التي انهال فيها غبار تشرنوبيل على مكتبة فلاديمير إيليتش.

لم ينس وليد جنبلاط ان يمرَّ، في طريق العودة الى "البوريفاج" حيث بدأت مؤتمرات الحرب، على ميشال شيحا، متجاهلا هذه المرة، ربما لضيق الوقت، التوقف عند فؤاد افرام البستاني. على ان البساتنة تركوا له، في ما ترك المجنح الثقافي – لا الجناح – فيهم ترجمة بديعة لـ"الالياذة" يستحسن العودة اليها بدل اضاعة الوقت في قراءة افتتاحيات الليبراليين الاميركيين وسواهم.

سوف يعثر على هكتور الذي ليس الها ولا نصف اله، وانما رجل، لكنه بين الرجال أمير. وهو متبرم بكثرة المتخلفين في عالمه. يريدهم ان يهبّوا مثله لتحدي القدر. أي قدر؟ لقد تعلم ان يكون شجاعاً في كل الازمان "ان يقاتل في الصفوف الاولى للطرواديين" ولكن على رغم دروس الشجاعة، تعذّبه افكار المستقبل على الدوام. ليس من أجل شعبه ولا من أجل اخوانه، بل من أجل أندروماك وطفله.

عندما تأتي المسألة الى قضايا كاللغة والتاريخ، لا بأس بفكرة العودة الى المعلمين الكبار من البساتنة. سوف نتعلّم منهم احكام "الضرورات" والاسباب الموجبة، أو "الفذلكة" بدهاء السنيورة. أما ميشال شيحا فالافضل سحبه من التداول ليس في الأمر ما يستحق القتال ولا النقار. كان رجل مال، عرف كيف يفذلك اللغة في خدمة الفائدة. لم تتقدم مرة اللغة على الفائدة، ولا لبنان على المصرف، ولا خرجت فلسطين على المفهوم الاوروبي لقضايا الشرق الادنى.

(• فقد لبنان الفلسطيني في شفيق الحوت، مرسى ومرفأ وافقاً انسانيا. ومثل محمود درويش، أحب بيروت بقدر ما أحب الزيتون في جبل الكرمل. وقد كرّس كل لحظة من عمره، هو وشريكته بيان عجاج نويهض، لقضية بنياها في الضمير العربي، حيث ارتجت أو غابت بقية الضمائر. الى الزميلة الدكتورة بيان والى الهادر وجميع ابناء الغائب العزيز، تحية التكريم لروحه وأثره. س. ع.)

المصدر:
النهار

خبر عاجل