الزّلة والمسّلة
جوار الوادي
اكثر ما لفتني خلال الاسبوع المنصرم المقالات الكثيرة والعديدة التي خصصت للتعليق على زلة اللسان التي وقع بها الرئيس امين الجميل خلال القائه لكلمته في الذكرى السنوية الثالثة لعملية الاغتيال المروعة التي اودت بالرئيس رفيق الحريري والوزير الشاب باسل فليحان ومرافقيهم والعديد من المدنيين الابرياء. لقد تمت معالجة هذه الحالة من قبل الفريق المعارض وكأنها تعبيرا عن المكنونات الداخلية او المشاعر الدفينة او كأنها تعكس سلوك اللاوعي الداخلي لدى الرئيس الجميل متناسين او متغاضين عن انها كانت عرضية وغير مقصودة وهي نتيجة الضغط الجماهيري الهائل الذي كان موجودا، وقد عمد فورا الرئيس الى تصحيح هذا الخطأ واكمال خطابه من دون ان يعطي الموضوع اي اهمية.
اذا اردنا استعراض هذه الظاهرة، “ظاهرة زلات اللسان تداعياتها ومفاعيلها”، لوجدنا ان المجتمع اللبناني يتميز عن غيره من المجتمعات بهذه الحالة وهو يذخر بالكثير من هذه المواقف الحرجة التي وقع فيها السياسيين اللبنانيين وما زالوا خاصة في سنوات الحكم الاخيرة وهي بالغالب كانت غير بريئة او غير عرضية وقد ادت الى نتائج كارثية على الوطن والبلد وابنائه.
الكل يتذكر زلة اللسان الشهيرة التي وقع بها الامين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله ابان حرب تموز وخلال احدى مقابلاته التلفزيونية عندما اعلن انه لو كان يعلم ان عملية خطف الجنديين ستؤدي الى هذا الدمار والخسائر على الداخل والمجتمع اللبناني لما كان اقدم على عملية الخطف هذه؛ لقد كان لهذه “الزلة” سلة باهظة وضخمة جدا من الويلات والدمار والخسائر البشرية والمادية التي لحقت بالوطن وما زالت مفاعيلها ونتائجها مستمرة حتى الان.
من بين ابرز النتائج المعنوية لهذه الزّلة هي حالة الاذلال التي اضطر اللبنانيون لمعايشتها رغما عنهم خاصة بعدما اضطروا لطلب الاموال او لنقل هنا لشحذ المساعدات والهبات من الدول الصديقة القريبة والبعيدة وكأنه كتب لهذا البلد ان يكون تحت رحمة هذه الدول وعليه دوما طلب المساعدة والعون منهم. لقد ولدت هذه الزلة الكثير الكثير من الزلات والمذلات والمفاهيم الادبية الاخرى فتارة وعلى سبيل المثال لا الحصر تكون الحكومة اللبنانية حكومة لبنانية مقاومة وطورا تصبح فجأة حكومة عميلة خائنة ثم تارة نحن مع الفرار 1701 وطورا نتبرأ منه، ايضا تارة السلاح لن يوجه الى الداخل وطورا تراهم يخزّنون السلاح، السلاح المخصص لحرب الشوارع؛ تارة نحن مع الدولة وقيامها وتطورها وطورا يكسرون ويتعدون على الممتلكات العامة والخاصة؛ تارة نحن مع المحكمة الدولية ونتائجها وطورا يعملون المستحيل وليلا نهارا لوقفها وشلها؛ لقد استمروا على هذا المنوال من الزلات والمذلات حتى وصلوا الى القمة، نعم قمة المذلات بحقهم واشهرها عندما قرروا الاسقالة من الحكومة، فتارة نحن نستقيل من الحكومة والوزارة وطورا نحن وبكل بساطة نحن نعود الى الوزارة وكأن شيئا لم يحصل!!!
لقد كان لهذه الزلة مفعول الوباء فهي وجدت الارض الخصبة وانتشرت سريعا بين المحيطين وخاصة في المجلس النيابي فتحول الى مجلس لارتكاب الزلات والمذلات بحق الشعب اللبناني الذي يمثله؛ الزلّة الاولى كانت باقفال المجلس وتحويله فقط الى مجلس عزاء اللبنانيين بحيث اختصر دوره باصدار التعازي عند كل محطة من محطات الغدر والاجرام التي اودت بالكثير من الشهداء الابرار؛ لقد تلت هذه الزلة زلات كثيرة وعديدة، ولم يتوقفوا عند هذا الحد بل عمدوا الى اذلال اللبنانيين كافة يوم عطلوا مقررات مؤتمر باريس الاخير داخل المجلس النيابي فبدل من ان يشرعوا ويسهلوا للاستفادة من المساعدات عمدوا الى زرع العقبات والمظاهرات. لقد ذهبوا بعيدا بارتكاب الزلات والمذلات، ولم يكتفوا حتى الان بل فقد بشرنا بالامس القريب، وخلال لحظة غضب، بزلة اخرى لا نعلم حتى الان الى ماذا سوف تؤدي او ماذا ستكون نتائجها علينا.
منذ ذلك الحين هم يرتكبون الزلات بحق الوطن والشعب يتحمل المذلات وقد تحولت منابرهم الى منابر لتوجيه المذلات الى اللبنانيين الاخرين، لم يكتفوا بزلاتهم ومسلاتهم بل عمدوا الى توجيه المسلات الى اللبنانيين كافة!