دمشق تصرفت مع المبادرة العربية على غرار الفرنسية فأضاعت الاثنتين
كوة أنابوليس بين سوريا وأميركا أقفلتها عرقلة الانتخابات الرئاسية
روزانا بومنصف
بين مؤتمر أنابوليس الذي عقد في 27 تشرين الثاني من العام الماضي، أي بعد ثلاثة ايام من انتهاء المهلة الدستورية لانتخاب رئيس جديد للجمهورية، والقمة العربية التي يفترض ان تعقد في دمشق في نهاية آذار المقبل، شهدت سوريا تراجعاً غير متوقع بالنسبة الى المكسب الكبير الذي حققته في أنابوليس بما يمكن اعتباره فتح كوة في جدار الازمة الاميركية – السورية. وتمثل هذا التراجع على نحو محدد، الى جانب اعادة اغلاق هذه الكوة وفرض ادارة الرئيس الاميركي جورج بوش عقوبات جديدة على سوريا، وإن يكن تأثيرها معنويا وليس عملانيا، باهدار فرصة تطبيع العلاقات الثنائية مع الاتحاد الاوروبي وفي مقدمه فرنسا رغم الجهود التي بذلتها قطر مع الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي من اجل اعتماد مقاربة جديدة مختلفة مع سوريا تثمر حكما تعاونا في الملف اللبناني وسواه من الملفات.
صحيح ان هناك دولاً اوروبية متفاوتة التأثير تنحو في اتجاه التناقض كليا مع الولايات المتحدة في الموضوع السوري لاقتناعها بضرورة التحاور مع دمشق بدلا من فرض عقوبات عليها. لكن هذه الدول على ما تكشف مصادر ديبلوماسية عليمة، تلقت ضربة لم تكن سهلة في فشل المبادرة الفرنسية وتحميل الرئيس ساركوزي سوريا مسؤولية احباطها. ومع ان عدداً من هذه الدول استمع طويلا الى وجهة النظر السورية على لسان وزير الخارجية وليد المعلم الذي زار المانيا اخيرا، فانها لم تنج من انتقادات قاسية من دول اوروبية اخرى في حين لم يقدم السوريون الى هذه الدول التي تنادي بالحوار مع سوريا وعدم اقفال الابواب في وجهها، ما يساعدها في التمسك بمنطقها اي الحوار في مواجهة الآخرين. وتعتقد هذه المصادر ان اجراء انتخابات الرئاسة في لبنان كان سيضعف منطق المواجهة، في حين ان المبررات التي تقدمها سوريا وهي على ما تنقل المصادر الديبلوماسية، تلقي مسؤولية تعطيل المبادرة الفرنسية على الاميركيين محاولة اقناع الدول الغربية بان مقاربتها للأزمة في لبنان هي مقاربة بناءة تماما على ما تطالب به دمشق، لا تجد صدى قويا باعتبار ان فرنسا تلقت ضربة معنوية بفشل مبادرتها في لبنان وللاعتقاد ان الولايات المتحدة الاميركية ترغب في وضع حد فعلي للأزمة اللبنانية عبر حصول انتخابات رئاسية في اقرب وقت. لكن الولايات المتحدة لم تدعم لا المبادرة الفرنسية ولا المبادرة العربية من دون ان تعترض على أي منهما لاقتناعها بأنهما ذهبتا ابعد من موضوع اجراء الانتخابات الى تفاصيل اخرى ستضيع الاساس أي انتخاب الرئيس وتسمح لسوريا بالدخول على الخط بقوة في التفاصيل اللبنانية الصغيرة. وهذا امر اقرت به الديبلوماسية الفرنسية من خلال الاقرار بأنها أخطأت في الذهاب ابعد من الموضوع الانتخابي المباشر والانزلاق الى الموضوع الحكومي.
ومن التبعات التي طرأت بعد فشل المبادرة الفرنسية انفتاح عربي مهم اعاد دمشق في الاجتماع الاول لوزراء الخارجية العرب، الى دائرة الاهتمام وتحول سوريا مجددا لاعبا مهما ومقررا ايجابيا معترفاً به رسميا من الجانب العربي، لولا جنوح سوريا مجددا في تفسير المبادرة العربية ومحاولتها فرض ترجمتها لهذه المبادرة بحيث دحضت، من حيث شاءت ام لم تشأ، منطق تحميلها واشنطن مسؤولية احباط المبادرة الفرنسية، ما دامت حاولت مجددا فرض تفسيرها لحل الازمة في لبنان على العرب كما على فرنسا. وهذا ما ادى عمليا الى تراجعها على المستويين الغربي والعربي على حد سواء بما يمكن ان يترجم على نحو قاس جدا في القمة العربية التي يعتبر بعضهم ان سوريا تكابر في اعلان لامبالاتها حيال مستوى التمثيل فيها، في حين تبذل جهودا ووساطات من أجل الفصل بين الأزمة في لبنان والقمة.
وثمة مصادر تعتبر ان اغتيال المسؤول الامني والعسكري في “حزب الله” عماد مغنية في دمشق كان محرجا الى حد كبير لها بسبب النظرة العربية عموما والغربية ايضا اليه، مما يعيد العاصمة السورية الى الواجهة وفق ما رآها وزير الخارجية الايطالي ماسيمو داليما اي سوريا التي تشكل ملجأ لمن يعتبرهم الغرب خصوصا وبعض العرب “الارهابيين” والراديكاليين المتطرفين الذين يطالب المجتمع الدولي سوريا باقفال الباب في وجههم نهائيا كحركتي “حماس” و”الجهاد الاسلامي”، وخصوصا ان اتصالات من دول تعتبر صديقة لدمشق نصحتها بعدم اتاحة عقد مؤتمرات لهؤلاء على اراضيها كما كان مقررا بالتزامن مع مؤتمر انابوليس.
وفي ضوء التطور الامني الاخير بات انعقاد القمة العربية في دمشق بمستوى رفيع يكتسب اهمية اكبر في رأي هذه المصادر.
فهل ينعكس هذا التقويم على قرار سوريا التعاون في الانتخابات قبل القمة؟
وما هو الاستحقاق الآخر الذي قد يلح عليها غير هذه القمة؟