لم يكن انتخاب التونسيين لابن الجمهورية العتيد الباجي قائد السبسي رئيساً لهم، حدثاً مفاجئاً للكثيرين، خصوصاً بعد أن حقق حزبه “نداء تونس” الغالبية في الانتخابات البرلمانية، التي شكل تراجع “النهضة” فيها، صدمة لأوساط مختلفة من الطيف الإسلامي.
لكن هذا لا يعني أن فوز الرجل المستحق من الناحية التقنية، أمر طبيعي في بلد شهد ثورة عارمة، ضد نهجٍ ورموزٍ ومنطق، كان في قلبه وأحد صناعه في عهد “المجاهد الأكبر” بورقيبة، أو خليفته بن علي، وكلاهما من مدرسة واحدة.
إضافة إلى ذلك، فإن السبسي حتى بعد سقوط بن علي 2010 وقيام الفترة الانتقالية، لم يكن خطابه تبجيليا لقوى التغيير الجديدة كما كانت تسمى، إلا أنه كذلك مثل الجميع، ليس مهتماً بالدفاع عن نظام يتهاوى أمام عينيه، في تلك “اللحظة التاريخية”، مثلما أطلق عليها الصارخ الشهير في ساحة الحبيب بورقيبة.
ماذا يعني ذلك؟ هل الربيع العربي عمل عبثي وفوضى حدثت بلا داع ولا معنى، أم أن الناس اكتشفوا أن الذين أسقطوهم ليسوا بأسوأ من أولئك الذين ينتظرون مواقعهم، فعملوا بمثل “جني تعرفه أحسن من جني ما تعرفه”؟
ما يعزز وجاهة هذا التساؤل، أن الأمر نفسه حدث تقريباً في كل دول الربيع العربي، في مصر واليمن، وتكاد ليبيا، وربما سورية في المستقبل، فحتى وإن رفض السوريون بشار الأسد، لا يمكنهم القبول برئيس جمهورية من التيار الإخواني أو “الجهادي”، وكذلك حلفاؤهم، فيما يفتقد الآخرون من التيار الحر وغيره، الفاعلية التي يتطلع إليها المتنفذون في السياسة الإقليمية والدولية بمن فيهم إيران، فلا بد من شخص من النظام القائم نفسه، وإن طالت الحرب وكثر الخراب. إذاً علام تُدفع هذه التضحيات؟
سيقول قائل: ألم تر مكتسبات “الربيع” على الأرض، في الحريات وعودة المنفيين من أمثال أعضاء “النهضة” إلى بلادهم بعد عقود من الشتات؟ ولكن جواب هذا في مكان آخر هو ليبيا، فقبل أن يسقط القذافي، كان مستعداً أو بدأ بالفعل في التصالح مع معارضيه كافة. لكن مسوقي إسقاطه ما كانوا راضين بغير رأسه ثمناً.
وحتى تونس بن علي كانت في آخر أيامها تتجه للتصالح مع الطيف الإسلامي الداخلي، في خطوة أولى لمد الجسور مع الخارجي. حتى إن دعاة مدافعين عن التيار الإسلامي، مثل السعودي سلمان العودة، عندما زاروا ليبيا وتونس قبل “الثورة”، وجدوا فيها تصالحاً متنامياً مع التيار الإسلامي، بل الصقر الإخواني الأشد في انتقاد الأنظمة العربية، الشيخ يوسف القرضاوي، هو الآخر زكى تونس بأنها في طريقها إلى التصحيح وأن حاضرها خير من ماضيها.
في مؤتمر الفكر العربي الذي أقيم أخيراً في المغرب، حاول البعض الإجابة عن سر هذا التناقض بين شعارات الربيع، ونتائج الانتخابات والمشهد الذي يتسارع في العودة إلى ما كان عليه، فكان بين القراءات ما رآه المفكر اللبناني جورج قرم، حرف للربيع عن مساره، فهو نشأ بحثاً عن “الخبز”، فيما الآخرون، (يعني الاسلاميين)، حرفوه عن مساره إلى التغيير السياسي. ويتقاطع هنا مع مواطنه رضوان السيد، الذي أشرنا في مقالة سابقة إلى أنه كذلك يرى الشباب المطلقين للربيع مخلصين، إلا أن جماعات الاسلام السياسي ساقته لمقصودها، ففشل، فيما حمل وزر الفشل في سورية إيران إلى “الجهاديين” هنالك.
لكن تحميل التيارات الإسلامية وحدها المسؤولية، تبسيط في نظر المحلل السعودي الدكتور وليد السديري، الذي رأى ان للغرب يدا عميقة في تأزيم المنطقة باسم الربيع والتغيير، بسبب حقنه ودفعه للديموقراطية وشعارات حقوق الانسان، والتظاهر وجمع من المطالبات التي أدت الى احتقان الشارع العربي والسخط، في تسويقٍ لقيم غربية في بيئة غير جاهزة، ليست مثل الغربية التي أثمرت فيها تلك الأفعال، تجارب تغيير نجحت.
زعم العرب إذاً أن تونس كانت استثناء. إنها لم تكن. بل الربيع العربي الذي كان انسياقاً خلف العاطفة، ونزعة انتقام لحظية، لم تستند الى منطق ولا نتائج دراسات، ولا قرارات نخب، أو حراك منظمات مدنية عميقة الجذور في الأوطان. وما بناه بورقيبة وبن علي في تونس من تلك المنظمات، هو ما أنقذ تونس من الانهيار حتى عاد إليها رجل النظام الساقط السبسي، بعد امتحان مرّ، ثبت فيه للتونسيين وغيرهم من بلدان الربيع، أن ليس بالإمكان أبدع مما كان. كما يقال.
وهل سينتخب الليبيون سيف الإسلام، إن سمح سجانوه المحليون والدوليون بإطلاق سراحه؟ لا نستغرب، فما قيل أن كل معضلة الجمهوريات العربية في رؤوسها، تبين أنه “هدره خاوية”، مثلما يقول المغاربة.